نسخة الجوال
ترجمة الشيخ
الفتاوى
الصوتيات
المقالات
المكتبة العلمية
الفتاوى الصوتية المفرغة
إرسل سؤلاً
اتصل بنا
الصوتيات -> خطب ومحاضرات متنوعة
عنوان الملف العدة عند الكرب والشدة
تاريخ إضافة الملف 20/06/2008
عدد المشاهدات( 2328 ) عدد مرات التنزيل( 653 )

[العدة عند الكرب والشدة(163)]

خطبة جمعة بتاريخ: ( 16/ جماد الثاني/ 1429هـ)

(للشيخ العلامة المحدث: أبي عبد الرحمن يحيى بن علي الحجوري -حفظه الله تعالى-)

====================================================

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أيها الناس! إن الله خلق العباد للابتلاء قال الله في كتابه الكريم: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾[الملك:1-2]، وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ﴾[محمد:31]، هذا أمر محتم أن الله عز وجل سيبلو العباد، وأنه خلقهم للابتلاء وأكد ذلك بقوله: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾[العنكبوت: 1-3].

وقال سبحان: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ﴾[محمد:4]، فتنوعت البلوى على العبد كل ذلك بمراد الله سبحانه وتعالى، تارة يبلوا العباد بعضهم ببعض، ويجعل بأسهم بينهم، ويسلط بعضهم على بعض ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ﴾[الفرقان:20]، وتارة يبلوهم بالتمحيص والأمراض والفقر والمصائب.. وتارة بشيء.. وتارة بآخر مما لا يعلمه إلا الله.. تارة يبلوه بولده.. وتارة يبلوه بأهله.. وتارة يبلوه بجاره.. وتارة يبلوه في باطنه يكون مبتلى من باطنه، أمراض باطنية لا يعلمها إلا الله عز وجل.. وتارة يبلوه بظاهره، وربما ابتلاه بجماله أو ماله، وربما ابتلاه بعشيرته أو قبيلته، كل ذلك بلوى.

فالله عز وجل قد وعد العباد أنه يبلوهم، وهذه الابتلاءات يظهر منها الصالح من غيره، والمصلح من المفسد، والشاكر من غيره، والصابر من غير الصابر، هي تمحيص، هذه هي بلوى الحياة، وهذه الابتلاءات في الحقيقة تنتابها كرب وشدائد، وتنتابها خطوب شديدة كثيرة، فكان لابد للعبد الموقن: أن يأخذ العدة عند الكروب والشدة، وتلك العدة التي يأخذها العبد ويوفق لها هي: أن يقابل هذه الكروب والشدائد كلها يقابلها بما أمر الله سبحانه وتعالى به، يقابلها بالتوكل على الله سبحانه والثقة به، وأن الذي خلقه وابتلاه هو قادر على كشفها ودفعها، وأن الذي خلقه وابتلاه: هو الذي أراد له ذلك، فكان التسليم لله سبحانه وتعالى: هو أعظم علاج لهذا الأمر، وليس هناك علاج أنجع ولا أعظم ولا أنجح من تسليم الإنسان نفسه لرب العالمين سبحانه وتعالى، والثقة به كما قال أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴾[إبراهيم:12]، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾[المائدة:23]، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾[الأنفال:1-4]، هؤلاء الذين سلموا أمورهم لله سبحانه وتعالى تقابل الشدائد كلها بهذا، يكون أعظم تصرف وأعظم سياسة مع نفسك ومع حياتك أن تقابل ذلك كله بالاستسلام لله سبحانه وتعالى ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ﴾[الفرقان:2]، كل شيء مخلوق بقدر ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ * وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ﴾[القمر:50]، ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾[هود:56]، كل شيء لا يمكن أن يتحرك ولا يسكن ولا يمكن أن يقعد ولا يقوم ولا يمكن أن ينطق ولا يسكت ولا يمكن أن يحرك ولا يسكن إلا بمراد الله سبحانه وتعالى.

وكان من هذا النموذج العظيم تعليم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، لذلك حين أنزل الله عز وجل قوله: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾[البقرة:284]، أتى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: « كلفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاة والصيام وكذا وكذا، وقد نزلت عليك هذه الآية لا نطيقها، قال: تريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين: سمعنا وعصينا قولوا: سمعنا وأطعنا»، انظر كيف علمهم الاستسلام لله سبحانه وتعالى، والانقياد والإذعان، فقالوا: «سمعنا وأطعنا وذلت بها ألسنتهم وعلم الله عز وجل صدقهم وجاء الفرج ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ﴾[البقرة:285]، ثم أخبر بقولهم وذكر ما قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾[البقرة:285]..»، وأنزل بعدها بيان تكليفه اليسير لهم ولسائر الأمة بسبب ذلك الاستسلام، والتأديب النبوي الذي أدبهم إياه الاستسلام لله ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾[البقرة:286]، آيات عظام وعبرة، هكذا أدبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولما اجتمع المشركون والأحزاب وتوالوا على النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه، وحفر الخندق يوم الأحزاب عملاً بالأسباب لاشك أن تلك الأحزاب المتكاثرة لها هيبة، ولكن الله عز وجل جعل في قلوب المؤمنين السكينة والوقار لم يبالوا بهم ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ﴾[الأحزاب:22]، كل تلك الأحزاب ما أثرت فيهم أبداً، ولا قلقلتهم أبداً حفروا الخندق بكل راحة، وازدادوا إيماناً وازدادوا استسلاماً وانقياداً واستراحة وذلك وتلك الطمأنينة التي آتاهم الله إياها كانت سبباً لفرج عظيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾[الأحزاب:9]، سبباً لهذه النعمة التي ستذكر ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ﴾[الأحزاب:9-10]، حصل هذا من بعض المؤمنين، نعم. لا من خواصهم ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ﴾[الأحزاب:11-12] الآيات، الشاهد: أنهم ازدادوا إيماناً.

هكذا أدبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الاستسلام عند الكروب والشدائد، يضع الإنسان الأمر لله سبحانه وتعالى، هذه عدة عظيمة، خذ عدة عند الكروب والشدة، هذه عدة ما عندك عدة أنت لا طيران ولا دبابات ولا شيء من ذلك ينفع، لا شعوب تنفعها هذه، إن لم تأخذ العدة المذكورة في الأدلة، ولا أشخاص تنفعها هذه ولا تدفع عنك أمراضاً ولا أسقاماً ولا أعداء ولا شياطين ولا جناً ولا إنساً، ولكن العدة التي تأخذها حقاً في هذه العدة خذ العدة عند الكروب والشدة، هذه عدة عظيمة الثقة بالله سبحانه وتعالى.

ومما علمهم النبي صلى الله عليه وسلم كباراً وصغاراً حتى على مستوى الغلمان إذا وجد غلاماً أو التقى بغلام علمه هذه العدة، ثبت عند الترمذي وغيره عن ابن عباس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم « أردفه خلفه قال: يا غلام، إني معلمك كلمات»، يعلمه عدة عظيمة تشتمل على عدة تشتمل على عدة أمور يسعد بها صاحبها بإذن الله عز وجل: «احفظ الله يحفظك» أي: الزم طاعة الله، فإنك إذا لزمت طاعة الله عز وجل حفظك الله، «احفظ الله تجده تجاهك»، أي: إذا حفظت حدود الله عز وجل فإنك أينما سرت الله معك أينما كنت فالله معك، نعم، وهذه معية خاصة في حق من حفظ حدود الله عز وجل، وبين له طرق حفظ الله وحفظ حدود الله فقال: «إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك» ثم بين له: أن الأمر ما هو موكول إليهم «رفعت الأقلام وجفت الصحف».

يا له من درس عظيم! يبعث في قلب ابن عباس وسائر من تدبر هذا الحديث غاية القوة والشجاعة والكرم والتوكل والثقة بالله سبحانه وتعالى والإيمان بالقدر والصدع بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى أن يلقى الله عز وجل، هذا درس عظيم هذه عدة عظيمة، الإنسان مواجه شدائد فلابد له من أخذ العدة.

العدة الثانية: مما يتخذها الإنسان هي تذكر قصص من مضى قبل فإن هذه العدة دافعة بالإنسان إلى الخير ومثنية له عن الشر بإذن الله عز وجل، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾[يوسف:111]، وقال الله في كتابه: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾[هود:120] يعني: هذا القصص الذي نقصها عليك عن الأمم الماضية والرسل الماضين هذا تثبيت لك هذه عدة تأخذها، نعطيك عدة تتقوى بها على دعوتك ﴿مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾[هود:120]، موعظة وذكرى.

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ ﴾[السجدة:26]، وقال: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ ﴾[الأعراف:175-177]، الآيات، كل هذه القصص من أجل: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾[الفرقان:32]، ولما أخبر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن بعض الناس تكلموا بكلام لا يرضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن النبي صلى الله عليه وسلم قسم قسمة ما عدل فيها، وأنه تغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن ذلك طعن فيه، ثم تذكر فقال: «يرحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من ذلك فصبر» ذكر قصة موسى عليه الصلاة والسلام وما حصل له من الأذى، وما حصل له من الابتلاء من قومه ثم كان ذلك مسلياً له وعدة له، هذه عدة عظيمة تذكر قصص الماضين، وكيف فعل الله عز وجل بالمجرمين، وكيف دافع الله عز وجل عن المؤمنين: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ﴾[الحج:38].

العدة الثالثة: الدعاء والذكر لله سبحانه وتعالى هذه عدة عظيمة ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾[الأنبياء:87-88]، هذا وعد الله، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا ﴾[النساء:87]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا ﴾[النساء:122]، آمنا بالله، وبوعد الله، وبكتاب الله.

﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾[الأنبياء:88]، عدة ظلمات يقول أهل التفسير، ظلمة بطن الحوت، وظلمات البحار وظلمات الليل ومع ذلك سمع الله عز وجل نداءه؛ لأنه كان من ذوي الصلاح ومن ذوي الاستغفار ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ﴾[الأنبياء:87] أي: لن نضيق عليه، ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾[الأنبياء:87-88]، قصة ذي النون عليه الصلاة والسلام عجيبة، فساهم فكان من المدحضين ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ * وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ﴾[الصافات:139-148].

قال الله عز وجل: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ﴾[يونس:98]، أنجاه الله ونجا قومه كل ذلك بأخذ عدة عظيمة وهي تلك العدة التي علمها الله فيه من الصلاح والذكر لله عز وجل قبل نزوله البحر وبعد ذلك، وهو لا يزال ملازماً لذكر الله فهذا الصلاح عدة عظيمة ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ﴾[الكهف:82]، هذه عدة أعدها ذلك الوالد الصالح لأولاده بعده حفظ الله أولاده وكنزهما، هذه عدة عظيمة ذكر الله سبحانه وتعالى ودعاء الله، الذي أخذ هذه العدة كان أعظم سلاح لأنبياء الله ورسوله وللمؤمنين فرسول الله صلى الله عليه وسلم حين تكالب عليه المشركون واجتمعوا لحربه ولقيهم في بدر، بات ليله كله وهو ينادي ربه، ويجهز بهذه العدة العظيمة أعظم من تجهيز أعداد الجيوش ويلح على ربه عز وجل في الدعاء ولما أصبح قال: « ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ * بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ﴾[القمر:45-46]، ثم قال: هذا مصرع فلان، هذا مصرع فلان »، نعم.

ثم أيضاً هذه العدة أعظم مما لو اجتمع له جميع من في المدينة ومن في مكة وسائر العرب نزلت ملائكة الرحمن معه بسبب هذه العدة العظيمة تقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحدهم، أحد الصحابة لا يدري إلا وقد سقط المشرك قبله، ويسمع صوتاً وهو يقول: (اقدم حيزوم)، صوت من السماء أو صوت لا يدري من أين؟! والملك ينادي ملكاً آخر أو ينادي فرسه يقول له: (اقدم حيزوم) يقتل المشرك قبل أن يصل إليه الصحابي رضي الله عنه.

﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﴾[آل عمران:125]، يا لها من عدة من أخذها فقد أخذ حظاً عظيماً في هذه الحياة الدنيا عدة الدعاء، عدة الذكر لله سبحانه وتعالى هذه العدة أخذها زكريا عليه الصلاة والسلام، حين لم يرزق الولد: ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ )[الأنبياء:89-90]»، هذه العدة أخذها إبراهيم، ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ﴾[إبراهيم:37]، الآيات.

هذه العدة أخذها إبراهيم أيضاً حين ألقي في النار لجأ إلى الله سبحانه، كسر أصنام المشركين فأجمعوا كيدهم على إحراقه قال: «حسبنا الله ونعم الوكيل»، ما كان عنده زيادة عن ذلك أعني إلا الثقة بالله سبحانه وتعالى، ولكن الذي اشتهر من ذكره هذا، عند أن ألقي في النار، قال ابن عباس: « حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال لهم: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾[آل عمران:173]، وقالها إبراهيم حين ألقي في النار، حسبنا الله ونعم الوكيل »، عدة عظيمة هو ذكر الله سبحانه وتعالى، وهكذا الدعاء.

العدة الرابعة عدة الصلاة وعدة الذكر فيها واللجوء إلى الله عز وجل بها، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حين رأى الخسوف» وهذه آية عظيمة يخشى أن تكون هذه الآية يجعل الله عز وجل بها إحراق الدنيا كلها «خرج وهو يجر رداءه ثم صلى بالناس صلاة الكسوف ثم خطب فقال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة» أي: خذوا هذه العدة افزعوا، ما قال امشوا إلى الصلاة أو اذهبوا بل افزعوا فزع «وعند الاستسقاء لما شكوا عليه قحوط البلاد وجدبها قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج بهم وصلى بهم ودعا واستغفر الله عز وجل».

هذه من الأذكار والصلاة عدة عظيمة ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾[هود:52]، ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا  * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾[نوح:10-12].

تريد بعد هذه العدة شيء، أعظم عدة تستفيدها ذكر الله عز وجل والصلاة أعظم عدة تستعين بها على حياتك هذا، ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾[البقرة:45]، «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر قال: أرحنا يا بلال بالصلاة »، وقال: « من نابه هم فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك نصايتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاءك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور بصري، وذهاب حزني وإزالة همي إلا فرج الله ما به من هم» الحديث.

نعم، وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم: « من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً.. »، ولا شك أن الحديث ضعيف ولكن له أصل.

الشاهد من هذا: أن عدد الحياة كثيرة لا يتسع الوقت لذكرها لكن هذه أهمها بعد تقوى الله عز وجل فهي أعظم عدة تأخذها في هذه الحياة الدنيا يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾[الطلاق:2-3]، ويقول الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾[الأعراف:201]، يعني: هذه العدة تجعله يستبصر هذه العدة يعلمه الله عز وجل بها ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾[البقرة:282]، هذه العدة تجعله لا يرجم بنفسه في اللجج والمهلكات، ويكون يفرق بين الحق والباطل يجعل الله له بصيرة ونوراً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾[الأنفال:29]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾[الحديد:28]، إلى آخر ما تتضمنه هذه العدة العظيمة، هذه عدد لابد للحياة منها لمن وفقه الله عز وجل.

الخطبة الثانية:

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد:

فكان هذا من اللازم التذكر والمذاكرة بمثل ذلك؛ لأن كثيراً من الناس يظن أن عدة حياته المستقبل هو تجهيز مرتب وهو تجهيز ما قد ربما يكون من خطوات الشيطان لتضييعه حتى صار هذا هو المقلق لكثير من الناس أين المستقبل؟! ويزعم آخرون أن العدة لهزيمة الأعداء هي الصواريخ والدبابات والنووي .. وما إلى ذلك، وهذا ليس بكافٍ فحسب، لا والله! فكم من أمم قد هزمت وعندها العدد الكثير والعدد العظيمة ولم تنفعها عددها شيئاً، ولكم عبرة بروسيا حين هزمها الله عز وجل وهزم الاشتراكية وهزم دول كثيرة فيما مضى وفيما يأتي في الحاضر والماضي كلها مع وجود عددها لكن لم يكن لها عدة الإيمان والتقوى والتوكل على الله والثقة به، واللجوء إليه، ومحاسبة النفس على طاعة الله عز وجل.

وآخرون أيضاً يظن أن العدة هي عضلاته وقوته بحيث أنه يكتسب المال وهذا ليس بنافع فحسب، ولكن العدة أيضاً الاعتماد على الله سبحانه وتعالى، فلا مالك عدة ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ ﴾[سبأ:37]، ولا جاهك عدة ولا قوتك عدة ولا ولدك عدة ولا جيشك ولا قبيلتك كل ذلك ليس بعدة إلا أن يعدك ويمدك الله سبحانه وتعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾[المائدة:23]، ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾[الطلاق:3].