نسخة الجوال
ترجمة الشيخ
الفتاوى
الصوتيات
المقالات
المكتبة العلمية
الفتاوى الصوتية المفرغة
إرسل سؤلاً
اتصل بنا
الصوتيات -> خطب ومحاضرات متنوعة
عنوان الملف سماحة النفوس
تاريخ إضافة الملف 15/03/2009
عدد المشاهدات( 3790 ) عدد مرات التنزيل( 709 )


[سماحة النفوس(148)]

خطبة جمعة بتاريخ: (8 شوال 1428هـ)
(للشيخ العلامة المحدث: أبي عبد الرحمن يحيى بن علي الحجوري -حفظه الله تعالى-)
================================
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾[آل عمران:102]، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾[النساء:1]،﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾[الأحزاب:70-71] .
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أيها الناس! كثيراً ما كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يفتتح خطبه للحاجة من نكاح وغيره لما جاء من حديث ابن مسعود رضي الله عنه وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له .. » الحديث، وما ذلك إلا أن النفوس لها شرور كثيرة يجب أن يستعاذ من شرورها، وأن من شرورها ما ذكره الله عز وجل في قوله: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾[يوسف:53]، فمن رحمه الله عز وجل جعل نفسه لا تأمره بسوء، ومن لم يرحمه الله عز وجل سلط عليه نفسه، فتأمره بالسوء من داخله، ومن باعثه، ويصير مبطوناً على سوء، ومن شرورها ما ذكره الله عز وجل في هذه الآيات، قال سبحانه وتعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[الحشر:8-9]، أثنى الله عز وجل على الأنصار رضوان الله عليهم، الذي تبوءوا الدار والإيمان من قبل، أي قبل المهاجرين أنهم أصحاب نفوس طيبة، نفوس عظيمة ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ أي: الذين هاجروا إليهم مهما آتاهم الله من الخير لا يجد الأنصار في صدورهم حسداً ولا غيظاً على المهاجرين أن آتاهم الله من فضله، ومع ذلك فإنهم يتحلون بالإيثار كما في قصة سعد بن الربيع مع عبد الرحمن بن عوف، وغير ذلك كثير، ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ حتى في حالة الاحتياج والفقر، يؤثرون على أنفسهم ويقدمون إخوانهم المهاجرين إيثاراً وطيباً من النفوس، هذا الثناء مذكور للأنصار في كتاب الله دائماً وأبداً يتلى، وكل من قرأه ممن يفهم كتاب الله يعرف لهؤلاء الكرماء منزلتهم، وقال ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾[التغابن:14-15]، ذكر الله هذه الأمور؛ لأنها باعثة على شح النفس وعلى مذمات النفوس، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الولد مبخلة مجبنة»، ثم قال بعد ذلك: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا﴾[التغابن:16] ثلاثة أمور، بل أربعة، مبدوءة بالتقوى، بعد هذه الأمور الحاملة على مذمات النفوس، أمرهم الله بأربعة أوامر: الأمر الأول تقوى الله، وبقدر الاستطاعة، الأمر الثاني: السمع والطاعة هذان أمران، إلى الأول تكون ثلاثة أوامر، الأمر الرابع: ﴿وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ﴾، فإن الذين تنفقونه هو خير لأنفسكم، ﴿وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ ثم عقب هذا جميعاً بقوله: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[التغابن:16].
في هاتين الآيتين من سورة الحشر والتغابن: بيان أن من وقاه الله عز وجل شر نفسه وشح نفسه أنه مفلح، وحقاً عند التدبر الذي أمرنا الله عز وجل به لكتاب الله يفهم الإنسان فهماً دقيقاً بإذن الله عز وجل أن مدار الفلاح على سماحة النفس وعلى إبعاد شحها عنها، وأن مدار الفتن والضيق والحسد والكبر وأنواع الشرور على شح النفس، وانظر إلى قوله الله سبحانه وتعالى واصفاً المشركين كيف ابتلاهم الله عز وجل بشح النفوس وعدم سماحتها وأن ذلك كان مما ذمهم الله به، ومما أحبط الله به أعمالهم قال عز وجل: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾[الأحزاب:18] من المشركين والمنافقين تشملهم هذه الآية، الذين يعوقون المسلمين عن الذهاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومناصرته علمهم الله سبحانه وتعالى، وعلم تثبيطهم وردهم للمناصرين في يوم أحد، وهكذا شأنهم في سائر الحالات: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾[الأحزاب:18] ما الذي حملهم على هذا؟ حملهم شح النفوس على المسلمين ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾[الأحزاب:19] أي: لا يريدون لكم نصراً، المنافقون أشحة على المسلمين لا يريدون لهم نصراً ولا عزاً ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ[الأحزاب:19].
وجاء الأمن وجاءت السعة، جاءهم شح آخر أيضاً: على أن المؤمنين كانوا في خير وفي سعة، في حال الحرب وفي حال مواجهة الكفار تصدي للمسلمين عن مناصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتثبيطهم، والحامل لهم على ذلك الشح: أن ينصر دين الله، في حالة الأمن وذهاب الخوف، ذهب الخوف وانتقلوا إلى مرحلة أخرى وهو القيل والقال والسلق بالألسن الذي حملهم عليه شح النفوس: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ[الأحزاب:19].
أشحة على الأمن الذي عندكم، أشحة على نصرتكم، أشحة على ما أنتم فيه من الخير، هذا الذي أصيب به المشركون بل أصيب به المنافقون، كما ذكر الله سبحانه وتعالى، ولذلك من أجل شح النفوس صاروا في الدرك الأسفل من النار، أدى بهم ذلك شح نفوسهم مع ما أصابهم الله به إلى ما قد ذكره في كتابه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا[النساء:145-147]، هذه نماذج، بل هذه عبر من كتاب الله عز وجل على ما تكمنه النفوس: ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ [يوسف:53]، وأن من تسلط عليه شح النفس ولم يتحلّ بسماحتها أنه يردى.
أيها الناس! إنها لا تتزكى نفس حتى يوفقها الله عز وجل للسماحة، وأن تكون سمحة بطاعة الله وبدين الله الحق، وفي حدود شرع الله الحق، ملازمة للسماحة الشرعية، تكون سمحة، قال الله سبحانه وتعالى في كتابه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾[طه:74-76]، فالله أعد جنات عدن لمن زكى نفسه بطاعة الله عز وجل.. زكى نفسه بالسماحة.. زكى نفسه بمرضاة رب العالمين، وأقسم الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم في سورة الشمس وضحاها بعدة من مخلوقاته ومنها النفس: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾[ الشمس:7-10] إلى آخر الآيات، كل هذه الأقسام على النفس: أن من زكاها بطاعة الله أفلح، وأن من دساها ودنسها وقذرها بعدم التزكية أنه خائب، زكِّ نفسك، زكِّ هذه النفس بطاعة الله عز وجل، وزكها بالسماحة، وتأمل حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في حديث جابر بن عبد الله عند الإمام البخاري: «رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى»، ومعناه أن هذا نموذج لسائر سماحته، في سائر حياته وهو سمح، مرحوم، من أراد رحمة الله فليتحلى بالسماحة في سائر شؤونه في حدود السماحة الشرعية بلا فظاظة ولا غلظة، ولا جفاء ولا ليونة في غير موضعها، وإن كان اللين والرفق مطلوب لكن منه ما يكون في غير موضعه، فلا بد من وضع الأمور في مواضعها.
هذا الحديث العظيم من الذي لا يريد رحمة الله؟!
لا شك أن مطلب كل إنسان مسلم حقاً رحمة رب العالمين سبحانه، وعلى هذا فمناط رحمة الله أمور: منها سماحة النفس، وأن يكون الشخص سمحاً في سائر شؤونه: «رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى»، أموره كلها على رفق وعلى سماح، وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: أتاه رجل يتقاضاه فأغلظ له القول، فهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقعوا به، هموا، هذا الرجل أغلظ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهموا به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعوه فإن لصاحب الحق مقالاً»، هذه سماحة عظيمة!
ومع ذلك أيضاً سماحة أخرى: «أعطوه سناً مثل سنه» يتقاضاه بعيراً، أعطاه بعيراً وجاء يغلظ له أن يعطيه بعيراً، فقالوا: « يا رسول الله ما وجدنا إلا أمثل من سنه، أي: أحسن من جمله، قال: اعطوه، فإن خيركم أحسنكم قضاءً»، فتضمن هذا الحديث سماحة في سماحة، سماحة بالعفو عنه بعد إغلاظ القول، وسماحة أيضاً بإكرامه بجمل أحسن من جمله، وإنما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم جملاً قرضاً لم يعطه هدية ولا هبة.
فنعم يا أخي! إن سماحة النفس عباد الله لهي من أسباب تفريج الكرب يوم القيامة، ثبت في الصحيحين من حديث أبي قتادة رضي الله عنه عند الإمام مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أحب أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فليضع عن معسرٍ» أو قال: «فليعن معسراً أو ليضع عنه»، هذا من سماحة النفس.
وفي الصحيحين أيضاً من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كان فيمن كان قبلكم رجلٌ يداين الناس، ويقول لغلامه: إذا أتيت معسراً فتجاوز عنه لعل الله أن يتجاوز عنا يوم القيامة»، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فلقي الله فتجاوز عنه».
سماحته في شيء من البيوع، وفي نزر من الدنيا سببت له سماحة عظيمة، وسبب له تجاوز رب العالمين يوم القيامة، والله أعلم ماذا كان عنده من ذنوب، قال: «فتجاوز الله عنه».
فالسماحة في دين الله عز وجل، والسماحة في النفوس في حدود السماحة الشرعية تحمل الإنسان على مكارم الأخلاق، على الإيمان بالقضاء والقدر: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾[التغابن:11]، فإذا آمن بالله وسمحت نفسه بقضاء الله وقدره استراح من الاعتراض على أقدار الله، لا بغلاء الأسعار ولا بحصول ولا بحصول كذا، كل ذلك لله الأمر من قبل ومن بعد، ولتكن نفسك سمحة بما قدره الله سبحانه وتعالى من أمراض وأسقام وغلاء ورخص وغير ذلك مما قدره وشاءه، لا تملك لنفسك ضراً ولا نفعاً: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾[الأعراف:188]، السماحة تحملك على العفو الذي أثنى الله سبحانه به على عباده المؤمنين: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾[آل عمران:134]، ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾[البقرة:105]، فمن أعطاه الله خيراً فقد اختصه بما شاء، لتكن نفسك سمحة راضية بأقدار الله وقضائه، ويقول الله في كتابه الكريم: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[البقرة:109].
السماحة في النفوس تبعث الإنسان على الكرم وما الكرم إلا سماحة نفس قد تكون في خير وفي شرير، لكن أوتي هذه السماحة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح عن أبي هريرة: «مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين: رجل عليه جبتان أو جنتان من حديد، فأما المنفق فلا يريد أن ينفق إلا أوفرت وسبغت؛ حتى تعفوا أثره وتخفي بنانه»، كل ما أراد أن يعطي وإذا بنفسه السمحة تبعثه على المزيد، وعلى أنه قصر، هذه نفس سمحة ما هي ضيقة، « والبخيل إذا أراد أن ينفق تلزق كل حلقة بمكانها فهو يريد أن يوسعها فلا تتسع »، السماحة تبعث الإنسان على القناعة، سماحة النفس وعلى الرضا بما آتاه الله.
حكيم بن حزام رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم: « فسأله وأعطاه، فأعطاه، وفي المرة الثانية أتاه فسأله فأعطاه، وفي الثالثة قال: يا حكيم إن هذا المال خضر حلو، من أخذ بطيبة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى»، أعطاه درساً جعل في قلبه سماحة إلى أن لقي الله، فبقي في غاية القناعة والسماحة عن المال، وعدم الاستشراف للمال، حتى أن أبا بكر رضي الله عنه كان يرسل إليه نصيبه الذي هو له مما يؤتى للمسلمين، فلا يأتِ له.. وهكذا عمر.
سماحة نفوس عودهم عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ربما دار أصحاب جشع النفوس أو من قد علم بالسنة ما وقعوا فيها بشيء من الأموال، وقال كما في الصحيح: «إني لأكل أناساً إلى ما جعل الله في نفوسهم من الخير، منهم عمرو بن التغلب» فلما بلغه هذا كان أحب إليه من الدنيا، إذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر أن نفسه سمحة، عمر بن الخطاب رضي الله عنه لسماحة نفسه يعطيه المال يقول: (يا رسول الله أعطيه على من هو أحوج مني)، من هو أفقر مني، أي: من هو أحق مني بهذا، فيقول: «خذه، تموله» أي أن هذا بسماحة نفس، وأنت خذه ليس عليك في ذلك حرج.
والشاهد من ذلك سماحة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيضاً سماحة نفس عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد قال ربنا سبحانه وتعالى في كتابه: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾[الحشر:9] وما الإيثار إلا سماحة نفس.
أيها الناس! إن أمر سماحة النفوس المضبوط بالحق يقول الإنسان إلى خيرات كثيرة وإلى مكارم كثيرة حتى إن الإنسان يجب أن يتحلى بسماحة النفس في الخلق الحسن، الخلق الحسن سماحة لا تبخل على أخيك بالسلام، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: «والله لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم»، هذه السماحة بإفشاء السلام سماحة النفس وسماحة القلب بذلك من أسباب الإيمان، وأسباب دخول الجنة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم وهو يثني على من يطعم الطعام وعلى من يقرئ السلام ويقوم الليل والناس نيام، فقال: «يا أيها الناس! أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام » حديث ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وهكذا: «يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك»، إذا سمحت النفس ولو بماء وبشيء من المرق سببت هذه السماحة حسن الجوار، وسببت هذه السماحة مكارم أخلاق، وسببت مرضاة رب العالمين، ولو كان بماء، مرق وماء، يشرب الناس بسماحة من ذلك الخير، ابتسامة في وجه أخيك أيضاً سماحة: «لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق» .
الخطبة الثانية:
الحمد لله نحمده ونسعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فالمتأمل لقصة أخوة يوسف عليه الصلاة والسلام وغفر الله لهم، يرى أن أنهم وقعوا في عدم سماحة النفوس، وأنهم ارتكبوا بسبب شح النفوس ما ذكره الله في تلك السورة، بعدة أوصاف لهم: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾[يوسف:4-5].
وفعلاً لما علم أخوته بذلك الحال كادوا له، وأرادوا قتله وجاءوا بدم كذب، وهكذا أيضاً عقوق والدين، ارتكبوا عقوق الوالدين وقطيعة الرحم، وغير ذلك مما هو مذكور في تلك السورة، مما يدل على عدم نبوتهم، ومما يدل على أنهم ارتكبوا ذلك بما حصل في النفوس من عدم السماحة بذلك الخير الذي أعطاه الله وأكرمه الله به، وما كان عطاء ربك محظوراً: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾[الحديد:21].
وهكذا تصدى مشركو قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأيضاً اليهود أشد التصدي؛ لأنهم ما تحلوا بسماحة النفوس بفضل الله سبحانه وتعالى على عبده: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾[النساء:54]، ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾[الزخرف:31]، قال الله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾[الزخرف:32]، وهكذا: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾[البقرة:96]، وقال الله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾[المائدة:64] الآيات، فذم الله المشركين، وذم المنافقين، ذم اليهود وسائر من عارض الحق وأن ذلك منهم كان منبعثاً عن عدم سماحة نفس بالحق، عن عدم سماحة نفس بالهدى، حتى أن منهم من يستفتح على نفسه ولم تسمح نفسه بأن يهتدي وأن يبحث عن الحق: ﴿قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾[الأنفال:32]، لشدة الضيق النفساني أرادوا الهلكة، وفراق الدنيا، خير عندهم أحب إليهم من أن يحصل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه نصر.
فالله الله أيها الناس في تهذيب النفوس وتزكيتها، فإن الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾[الأعلى:14-15]، ويقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾[ الشمس:8-9]، ويقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾[النجم:32]، أي: بالثناء عليها، ولكن زكها بطاعة الله وبسماحتها فيما هو في حدود شرع الله، لا يفهم من ذلك الاندماج أو السير مع أهل الباطل على إطار السماحة، فكلٌ له مقام معلوم، وقد جعل الله عز وجل لكل شيء قدراً.
والحمد لله رب العالمين.