نسخة الجوال
ترجمة الشيخ
الفتاوى
الصوتيات
المقالات
المكتبة العلمية
الفتاوى الصوتية المفرغة
إرسل سؤلاً
اتصل بنا
الصوتيات -> خطب ومحاضرات متنوعة
عنوان الملف لمحة إلى تبيين أهم وسائل الحفاظ على حياة المسلمين
تاريخ إضافة الملف 22/03/2009
عدد المشاهدات( 1911 ) عدد مرات التنزيل( 629 )

[لمحة إلى تبيين أهم وسائل الحفاظ على حياة المسلمين(185)]

خطبة جمعة بتاريخ: (12 محرم/ 1430هـ)

(للشيخ المحدث: أبي عبد الرحمن يحيى بن علي الحجوري -حفظه الله تعالى-)

===============================

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾[آل عمران:102]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾[النساء:1]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾[الأحزاب:70-71].

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أيها الناس! يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾[المائدة:32].

في هذه الآية حث عظيم على السعي في حياة النفوس، فإن الله قد كتب على بني إسرائيل أن من أحياها كأنما أحيا الناس جميعاً، ولما كان الأمر كذلك في الحث على حياة النفوس كان لابد من بيانات تحذر من عطبها وهلاكها، وقد بين الله سبحانه وتعالى ذلك في كتابه أجلى وأوضح بيان وأنزل كتبه وأرسل رسله لبيان ذلك.

فالواجب على المسلم ترسم ما جاء به دين الله الحق من السعي على تحقيق حياة نفسه وغيره والحذر والبعد عن هلاك نفسه وغيره، فقد روى الإمام البخاري و مسلم في صحيحهما من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، فأنت تحب لنفسك الحياة السالمة من الشر، فكذلك ما يتحقق عندك الإيمان حتى ذلك لأخيك حياة سالمة من الشر، لهذا فإن ابن آدم الأول لا تقتل نفس ظلماً إلا كان عليه من دمها وزر وكفل، كما في الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه أول من سن القتل»، وقد بوب الإمام البخاري على هذه الآية، وذكر هذا الحديث، وحديث جرير بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «استنصت الناس يا جرير، وكان ذلك في مجمع عظيم، ثم قال: لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض».

وفي الصحيحين عن أبي بكرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبة بمنى يوم النحر: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، ألا هل بلغت؟ قالوا: بلى، قال: اللهم فاشهد»؛ وما هذا إلا لشدة التأكيد والتحذير من الاعتداء على أنفس الناس، وبالأخص من عصمت نفسه ولم تحل بسبب من الأسباب: «لا يحل دم مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة» متفق عليه.

فهذا هو الذي أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه في شئون العباد؛ السعي في حياة الأنفس حياة حسية وحياة معنوية، فتلك الأدلة من أدلة حياتها الحسية، ومنها أدلة القصاص وسائر الحدود، لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[البقرة:179]، في هذه الآية بيان على أن القصاص إذا أقيم كان حاجزاً بين الناس وبين انتهاك دماء بعضهم بعضاً خوفاً من أن يجرى عليه حد القصاص، أما إذا أهدرت تلك الحدود، فإن تجرؤ العباد وما فيهم من الظلم والحقد من بعضهم على بعض يحمل بعضهم على إراقة دم أخيه المسلم، ولو بالاحتيال، ولو بشتى الوسائل، وهكذا قطع يد السارق يعتبر حماية للمسلمين ولأموالهم، بل ولأنفسهم، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن قتل دون ماله فهو شهيد»، ومادام الأمر كذلك فإن السرقة وأخذ أموال الناس من أسباب إزهاق الأنفس؛ هذا يأخذ مال هذا وهذا يدفع عن ماله أو يعتدي على مال الآخر بما يسبب التلف والهلاك، فكان هذا من سد ذرائع الهلاك، وسائر الحدود في أمور الزنا وأمور شرب الخمر وغير ذلك، كل هذا من سد ذرائع انتهاك الأنفس المحرمة وهلاك الأنفس المحرمة؛ لأن شارب الخمر إذا شرب الخمر صار عقله غير متزن بل فقد عقله، فلا يبالي من قتل ولا من أسلم، ولا يبالي بما صنع ولا يدري ما صنع، وهكذا سائر المحرمات، لا يجني المسلمون من وراء ذلك إلا النكبات والهلاك، فالسعي في حياة العباد حياة صحيحة مستقيمة أمر لابد منه ولا يؤمن أحد حتى يتم له ذلك للحديث المذكور، ومن أهم ذلك السعي في حياة العباد حياة صحيحة دنيوية وأخروية؛ بإقامة أعمالهم الصالحة؛ لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾[النحل:97] وهذا فيه أيضاً حياتهم الدنيا أنها تصير طيبة بعيدة عن الفتن، قال: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[النحل:97]، وهذا شامل لحياتهم الأخروية أنهم يجزون الجزاء الأوفى والجزاء الأحسن.

فاسع أيها المسلم في حياة نفسك بتوحيد الله، فإن الله سبحانه وتعالى أخبر عن الموحد أنه حي، المسلم حي، وعن المشرك أنه ميت، يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾[الأنعام:122]، دلت هذه الآية على أنه لا يمكن استواء الحي والميت، الإنسان الذي بصره الله وهداه، وعلمه طاعته وتقواه لا يستوي مع من خالف ذلك وصار من المشركين: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾[الزمر:9]، ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾[فاطر:19-22]، فالمسلم المستقيم الموحد حي؛ حي القلب، حي اللسان، حي الجوارح، كله حي، لسانه رطب بذكر الله وطاعته، فهو حي، يده أيضاً لا تزال سحة بالعطاء وبالخير فهي حية بطاعة الله، قدمه، جوارحه، قلبه كله حي، والكافر والمشرك ميت.

اسع أيها المسلم في حياتك نفسك وغيرك بذكر الله بتعليم كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت في الصحيح عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت»، من يرضى لنفسه أن يكون ميتاً وهو يأكل ويشرب وينام ويقوم ويمشي ويقعد، ولكنه محكوم عليه بالموت؛ موت القلب وموت اللسان عن ذكر الله، وموت الطاعة، حتى وإن كان حي الجسم، لكنها حياة بهيمية، فهذه هي الحياة الصحيحة حياة ذكر الله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾[الشورى:52]، سماه الله روحاً، أي: أنها حياة تتوقف عليه، وقال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾[يونس:57]، حتى وإن كان القلب مريضاً أوشك على التلف والهلاك، فإن هذا القرآن رحمة، وهذا القرآن أيضاً شفاء فهو حياته ولا حياة له إلا به.

اسع أيها المسلم في حياتك وغيرك وسلامة نفسك وغيرك بالبينة والموعظة الحسنة، قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾[الأنفال:42].

دلت هذه الآية على أن البينات فيها حياة لمن أراد الله له الحياة، وكون إنسان لم يسمع البينة فيبقى في غفلة، فإذا بين له استيقظ وانتبه، وانظر إلى ما صنع جبير بن مطعم رضي الله عنه حين سمع بينة من كتاب الله واحدة، فكانت تلك البينة حياة له إلى أن أسلم، أحيا الله قلبه به؛ سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة المغرب بسورة الطور إلى قوله: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾[الطور:36:35]، هذه حياة عظيمة هذه الآية، المشركون ما عندهم نباهة إلى هذه الأمور، فالتفت جبير بن مطعم رضي الله عنه إلى هذا الأمر العظيم، من الذي خلق البشر، هل هذه الأوثان والأصنام لا تملك شيئاً، مادام الأمر كذلك ولا يؤمنون هم أنها خلقتهم.

فإذاً: من الذي خلقهم هو الله سبحانه، ولا هم أيضاً يخلق بعضهم بعضاً، وهذه السماوات وهذا الكون من الذي خلقه؟ الله الذي خلقه. فإذاً الذي لا يؤمن بذلك بلا يقين، فكان غاية الانتباه لـجبير بن مطعم قال: والله إن كاد قلبي ليطير من بين جنبي، هذه البينة أنقذه الله عز وجل بها من ظلمة الشرك إلى نور الهدى والإسلام.

فالبينات تتضمن حياة عباد، وما أرسل الله الرسل إلا من أجل البينات؛ ليستفيدوا حياتهم استفادة صحيحة: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾[النساء:165]، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾[الفتح:28]، وفي الآية الأخرى: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾[آل عمران:184]، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ﴾[النحل:43-44]، فمادام الإنسان لا يعلم البينة واجب عليه أن يسأل عما يتبين به، فإن الله قد بين لعباده ما يحييهم: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾[النساء:27-27]، ومن قامت عليه البينة يكون قد سعى بهلاك نفسه وقد استبان له: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾[الأنفال:42].

اسع أيها المسلم في حياتك وفي سلامتك وسلامة غيرك بالعلم، العلم كتاب الله حياة للعباد، حياة للبلاد، حياة للأرواح حياة لقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾[العنكبوت:43]، وتأمل رب إنسان غيره أدهى منه وأكبر عقلاً منه في جوانب شتى من الصناعة والتجارة وغيرها، ولكنهم في هذا الحال نفي عنهم العقل وأثبت العقل للعالمين، وأثبتت الحياة -الفهم الصحيح- لمن يعلم ذلك، وأحال الله العباد على هؤلاء الذين هم يعلمون والذين لهم الحياة الخشية: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾[فاطر:28]، هذا عنده قلب والآخر عنده قلب، لماذا هذا لا يخشى؟ هذا قلبه ليس بحي، والعالم قلبه حي، فلهذا يتأمل ويخشى.

فهذه هي الحياة حياة العلم علم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلا حياة للعباد لدينهم ودنياهم إلا بذلك، قال الزهري رحمه الله: (أدركنا علماءنا يقولون: التمسك بالسنة نجاة، -والعلم يقبض قبضاً سريعاً- وفي نعش العلم ثبات الدنيا والدين).

فيا عباد الله لابد أن من أن يسعى المسلم في حياة نفسه وغيره حياة صحيحة، لا نعني الخلود إلى الدنيا، ولكن أن يستغل هذا العضو الذي مكنه الله منه في طاعة الله، يستغله في جهاد نفسه وشيطانه والمنافقين والكافرين، هذه والله حياة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾[الأنفال:24]، والساعي في حياة نفسه وغيره بطاعة الله له من الأجور ما لا يعلمه إلا الله، حتى لو سعى في حياة المسلمين وسلامتهم من شوكة، فقد ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لقد رأيت رجلاً يتقلب في الجنة في شجرة نحاها عن طريق المسلمين كانت تؤذي المسلمين»، كيف بتنحية الكفر عنهم والشرك عنهم والبدع عنهم والمعاصي عنهم والفتن عنهم والقتل عنهم والشر عنهم؟! لا شك أن كلاً له من الأجر بقدره وبحسبه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من أحد من ابن آدم إلا وهو على ستين وثلاثمائة مفصل؛ فمن سبح الله وحمد الله وهلل الله وكبر الله وعزل حجراً أو شجراً عن طريق الناس بقدر تلك الستين والثلاثمائة المفصل يمشي وقد زحزح نفسه من النار»، وما هذه الأمور إلا حرصاً على حياة الناس حياة صحيحة؛ حياة سليمة من الفتن، من الشر في الدنيا والأخرى ولا حياة أعظم له من الجنة: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾[العنكبوت:64]، فمن سعى في صلاحك وفي هدايتك وتعليمك وتبصيرك الحق فقد سعى لك في أعظم الحياة، ومن سعى في تضييعك وإبعادك عن الهدى فقد سعى لك في أشد الموت في الدنيا والآخرة، يقول الله: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾[الملك:10-11]، ويقول الله عز وجل في كتابه مبيناً أنهم لا يموتون فيها ولا يحيون: ﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا -يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا﴾[طه:74]، الشاهد من هذا أن أهل النار لا يموتون ولا يحيون: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾[النساء:56]، ولا يزال الموت والحياة عليهم: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾[المؤمنون:99-100]، ويتمنى الموت خير له من ذلك الحال، فأشد الموت هو المعاصي معصية الله سبحانه في هذه الدنيا، فإنها أعين لموت القلوب، وموت الأجسام وموت الدنيا والآخرة.

الخطبة الثانية:

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد:

روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقاً يتمس فيه علماً سهل الله به طريقاً إلى الجنة»، والشاهد من هذا الحديث وسائر الأحاديث الدالة على التعاون بين المسلمين فيما ينفعهم؛ من أمر بمعروف ونهي عن المنكر ودعوة إلى الله وعلم وتعليم، وحث على الاستقامة، وحفاظ على أرواحهم وعلى دمائهم، وأمانة وصيانة وكل ما يدعو إلى أعمال البر والخيرات، كل ذلك يدل على أنه من حقوق المسلم على المسلم، وأنه من الحفاظ على الأرواح وسائر الحدود كذلك، من الحفاظ على الأرواح في الدنيا وفي الآخرة، وأعظم ما يحرص به الإنسان على روحه وعلى سلامته وغيره أن يحب لنفسه الهداية ولغيره الهداية، ولنفسه السنة ولغيره السنة ولنفسه العلم ولغيره العلم، ولنفسه أيضاً التقى ولغيره التقى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾[العنكبوت:69]، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾[الحشر:18-20]، فالذي لم يسع في حياة نفسه هذا إنسان أنساه الله نفسه، ونعوذ بالله من هذه الهلكة، هلكة عظيمة أن ينسى الإنسان نفسه، ينسى نفسه التي بين جنبيه وينسى حياته، فهذه نسيان للحياة من أصلها وتلف. ونسأل الله السلامة والعافية.

والحمد لله رب العالمين.