نسخة الجوال
ترجمة الشيخ
الفتاوى
الصوتيات
المقالات
المكتبة العلمية
الفتاوى الصوتية المفرغة
إرسل سؤلاً
اتصل بنا
الصوتيات -> خطب ومحاضرات متنوعة
عنوان الملف سعادة الأنام في سلوك سبل السلام
تاريخ إضافة الملف 22/03/2009
عدد المشاهدات( 2014 ) عدد مرات التنزيل( 656 )

[سعادة الأنام في سلوك سبل السلام(160)]

خطبة جمعة: (19/ ربيع الثاني / 1429هـ)

(للشيخ العلامة المحدث: أبي عبد الرحمن يحيى بن علي الحجوري -حفظه الله تعالى-)

ملاحظة: في هذا الملف نقص في آخره

===============================

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أيها الناس! يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ ﴾[آل عمران:190-193].

ويقول عز وجل في سياق خطاب مؤمن آل فرعون لقومه: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ * تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ * لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ * فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾[غافر:41-46]

ويقول عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ﴾[الطور:25-28].

وثبت من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه عند الترمذي في جامعه أنه قال: «يا رسول الله! ما النجاة؟ قال: امسك عليك لسانك، وليسعك بيتك وابكِ على خطيئتك».

في هذه الأدلة من القرآن والسنة بيان على أن المؤمنين دائماً وأبداً في هذه الدنيا، وهم يطلبون الوقاية والسلامة من عذاب الله ومما يسبب عذاب الله، ولا شك أن من كان هذا حاله أن الله عز وجل يقيه ويسلمه ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا ﴾[الأنفال:70]، ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ﴾[محمد:35]، فالله سبحانه وتعالى يعلم ما في الصدور ﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ﴾[العاديات:9-11].

من علم الله منه أنه طامع في رحمته ومشفق من عذابه، ووجل من الوقوف بين يديه بذنوبه وسيئاته فإن الله عز وجل يرحمه في الدنيا وفي الآخرة، ولهذه الوقاية والسلامة سبل وطرق بينها الله عز وجل في كتابه الكريم، وعلى لسان نبينه الكريم قال عز وجل: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾[المائدة:15-16]، في هذه الآية بين الله عز وجل أن الله أنزل كتابه نوراً، وكتاباً مبيناً يهدي به الله عز وجل من علم منه أنه يبتغي مرضات الله سبحانه وأنه صادق الطلب لذلك، يهديه سبل السلامة وسبل الوقاية من عذاب الله ومما يسبب عذاب الله، ويخرجه من ظلمات الجهل والهوى، ومن ظلمات الفتن ومن الظلمات التي لا يعلمها إلا الله إلى نور الهداية، ونور الاستقامة، ونور الحق، ونور البصيرة ونور كلما فيه خير مما يعلمه العباد أو لا يعلمه إلا الله ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ.

جمع الله عز وجل الظلمات وأفرد النور (ظلمات) جمع، فالظلمات كثيرة والفتن كثيرة، والصراط والنور واحد، والسبل الموصلة إلى هذا النور وإلى هذا الصراط كثيرة توصلك إلى هذا الخير سبل الخيرات وطرق الخيرات كثيرة إلى صراط واحد ونور واحد ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾[الأنعام:153] أي: لا تتشعب بكم الطرق والأهواء التي تبعدكم عن الصراط المستقيم وأقبلوا على سبل الخير الموصلة إلى الصراط المستقيم، فأعظم سبيل للسلام هو الصراط المستقيم الإسلام ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ ﴾[آل عمران:19]، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾[آل عمران:85]، ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا ﴾[المائدة:3]، ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾[آل عمران:67]، فدين الله عز وجل هو الصراط المستقيم، هذا هو أعظم سبيل للسلام في الدنيا وفي الآخر، وهناك سبل كثيرة أعظمها: الإسلام، والقرآن، قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ﴾[الإسراء:9]، وقال سبحانه في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾[يونس:57-58]، أعظم ما يفرح به العبد هو كتاب الله عز وجل خير مما ستجمعه في هذه الدنيا جميعاً فإن كتاب الله سلامة وهدى، فيه الهدى والنور من تمسك به هُدي ومن قضى به عدل، ومن اعتصم به عُصم ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾[آل عمران:101]، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا ﴾[آل عمران:103]، وحبل الله هو الإسلام والقرآن، نعم.

ويقول الله سبحانه: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾[الزمر:22-23].

هذا القرآن سبيل سلامة من الفتن.. سبيل سلامة من الجهل.. سبيل سلامة من الهوى.. سبيل سلامة من النار.. سبيل سلامة من كل شر، الذي يريد السلام وطرق السلام عليه بهذا القرآن ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي ﴾[الإسراء:9]، وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ﴾[النساء:66-68].

وأعظم موعظة تعمل بها هي كتاب الله، ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ﴾[المائدة:15]، وقال عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ ﴾[الشورى:52-53]، وقال عز وجل: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ﴾[فصلت:44]، وقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾[ق:37].

سبيل سلامة كتاب الله عز وجل قراءته وتدبره والعمل به والدعوة إليه والتحاكم إليه ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾[النساء:65]، وهكذا سبل السلامة كثيرة جلها، وأعظمها كتاب الله المبين بسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فالله قال في كتابه: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾[النحل:44]، فالسنة بيان للقرآن، والسنة تفسر القرآن، والسنة هداية كالقرآن ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾[النجم:3-4].

ومما يدل على أن السنة سبيل سلامة من كل فتنة ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دعوني ما تركتكم إنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم فما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فائتوا به ما استطعتم»، دل هذا على أن أمماً هلكوا إذ لم يأخذوا هذا السبيل الموصل إلى سلامتهم من البلاء والتضليل، ورب العزة عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾[طه:123-124]، والسنة ذكر كالقرآن ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ﴾[الزخرف:44].

ويقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾[النور:63]، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾[الحشر:7]، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا ﴾[الأحزاب:36]، من ترك هذا السبيل ضل، ومن أخذ هذا السبيل اهتدى سبيل السنة، القرآن والسنة صراط الله المستقيم، سبل السلام عظيمة لمن طلبها، ما من مسلم عاقل إلا ويبتغي لنفسه السلامة في هذه الدنيا من الهلكة وفي الآخرة من عذابه ومن نقمته، فما دمت أيها العاقل تبتغي السلامة فاسلك سبلها، تبغي النجاة ولم تسلك سبلها! هذا ليس بصحيح لكل عمل سبب ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾[الملك:15]، إذا كان المطعم والمشرب له سبب من الأسباب فكذلك السلامة من عذاب الله والسلامة من الفتن، والسلامة من المهلكات، والسلامة من الاختلافات، كل ذلك له سبل، هذه السبل مذكورة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أعظمها ما تقدم ذكره ما تقدمت الإشارة إليه، كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم سبل سلامة.

روى الترمذي في جامعه بإسناد حسن مع غيره عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: «وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي»، دلهم على سبيل سلامة من تلك المهلكات كلها «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور»، دلهم على سبيل السلامة، وحذرهم من سبل المهلكات محدثات الأمور والبدع والتشعبات والأهواء.

وروى مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً فجاء الجنادب والفراش يقعن فيها وهو يذبهن عنها وأنا آخذ بحجزكم وأنتم تفتلتون من يدي»، دل هذا على أن من لم يسلك هدي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه افتلت من يده ولم يبغِ لنفسه السلامة لا في الدنيا ولا في الآخرة.

وأخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى» دل هذا على أن من عصى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أراد لنفسه الهلكة ولم يطلب السلامة وثبت عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة فمن كانت فترته إلى سنتي فقد نجا، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك».

دل هذا على أن من لم يكن في حال سرائه وضرائه مع السنة أنه قد يعرض نفسه للهلكة ولو في بعض الأحوال، وثبت عن أبي الدرداء وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تركتكم على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك» دل هذا الحديث على أن من تزحزح عن هذه البيضاء ولو في لحظة من اللحظات أنه سيهلك، هذه الأدلة كلها تدله على أن السنة العض عليها بالنواجذ، والثبات عليها في كل حال من الأحوال ليست سبب هلكة بل سبب سلامة وسبب هدى في الدنيا والآخرة، قلّ أو كثر، صغر صاحب ذلك أو كبر جنياً أو إنسياً، فقيراً أو غنياً، ما دام مع السنة فإنه مع الهدى والنور ومع السلامة، نعم.

ومن أعظم سبل السلامة التي أرشد الله عز وجل إليها تقوى الله عز وجل فقد قال ربنا العزيز الحكيم في كتابه الكريم: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾[الطلاق:2-3]، مقادر الذر والحركات والسكنات والوحوش والحشرات والديدان والضفادع والقمل كلها نواصيها بيد رب العباد.

لذلك جعل الله لكل شيء قدراً، نعم اشتملت هذه الآية على أن من اتقى الله وتوكل عليه فإن الله سيجعل له مخرجاً، وكلمة (مخرجاً) نكرة في سياق الإثبات تقتضي العموم: بأنه سيجعل لهم مخرج من كلما يضيقه وليس معناه من شيء واحد ولا من شيئين ولا عدة أشياء ولكن كلما ينوبه ويهمه ويكذبه أو يؤذيه فإن الله عز وجل متكفل من فوق سبع سماواته أنه سيجعل له مخرجاً، ومتكفل بأنه سوف يرزقه، ومتكفل بأنه سيكون حسبه وكافيه، وهذا دليل نظيره «من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه».

القصور من العباد القصور من القلوب، القصور من الشخص نفسه، وإلا فرب العالمين وأحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين له الفضل والمنة، نعم.

تقوى الله سبحانه وتعالى سبيل سلامة، سبيل إلى البصيرة تقوى الله سبيل البصيرة قال ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ * وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ ﴾[الأعراف:201-202]، مع هذا المدد ومع هذا التشويش والتشويه لا يضر أبداً؛ لأنهم يستبصرون بتقوى الله عز وجل بما عندهم من تقوى الله يبصرهم الله، ونظير ذلك الآية الأخرى أن تقوى الله سبيل فرقان بين الحق والباطل، فالذي عنده تقوى لله عز وجل سلك سبيل سلامة، من الارتباكات والاشتباهات والضعضعة والضعف: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾[الأنفال:29]، تقوى الله سبيل رحمة ونور، قال الله سبحانه في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ ﴾[الحديد:28] أي: يؤتكم ضعفين من رحمته، يضاعف الله سبحانه وتعالى رحمته لعبده المتقي بما لا يضاعفه لغيره من عباده ومخلوقاته ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ﴾[الحديد:28-29]، مهما كثروا، وإن كانوا أهل كتاب، وإن كانوا ماكرين بالمسلمين فإنهم لا يقدرون ولا يحيطون على شيء من فضل الله، ﴿ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [آل عمران:73]، نظير قول الله عز وجل: ﴿لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ﴾[الروم:4].

تقوى الله سبب للفوز والفلاح وسبيل سلامة من الهلاك ﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾[النور:52]، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾[البقرة:189]، سبيل سلامة من كل سوء من كل فتنة، هذا هو من أعظم الأسباب مع كثرتها ما لا يدرك كله لا يترك جله.

هذه أعظم سبل السلام التي أرشد الله سبحانه وتعالى عباده إليها في سورة المائدة: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾[المائدة:16].

الخطبة الثانية:

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد:

فمن سبل السلام المذكورة والمشار إليها في هذه الآية العظيمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا سلام لكيان المجتمع أبداً في كل زمان وملة إلا به الصدع بالحق النصيحة للمسلمين، عدم المحاباة في الدين، فقد قال ربنا سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾[آل عمران:104]، وروى البخاري في صحيحه من حديث النعمان بن بشير ما يدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم السبل للسلامة، قال عليه الصلاة والسلام: «مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا في سفينة فكان بعضهم في أعلاها وبعضهم في أسفلها وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم -حتى يأخذوا من البحر- قالوا: لو أننا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذِ من فوقنا» معنى ذلك: أنهم كانوا يريدون أن يخرقوا من أسفل السفينة بدلاً من أن يصعدوا وينزلوا من عند من فوقهم ساكنون فوق، حتى لا يؤذون من فوقهم، والأذية الكبرى ستأتي والهلكة الكبرى في خرق السفينة قال عليه الصلاة والسلام: «فلو أنهم تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً ولو أخذوا على أيديهم نجو ونجو جميعاً»، أولئك يريدون الخير ويريدون سلامة، سلامة الآخرين من أذيتهم ومن الطلوع والنزول، ولكن في إرادة هذا الخير الذي على غير فقه وعلى غير بصيرة هلك الجميع، هذا مثل عظيم في إنكار المنكر، وأن فيه بركة عظيمة على المسلمين في سلامتهم من الهلكة.

ونظير ذلك ما في سورة الأعراف: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴾[الأعراف:163-166].

آية عظيمة، بين الله سبحانه وتعالى فيها أصنافاً من بني إسرائيل منهم من تخاذل عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهلك، ومنهم من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فنجا، ومنهم من كان سبباً في هلكتهم وهلكة الآخرين وهم الذين اصطادوا الأسماك في يوم نهو عنه.

من سبل السلام عدم الاستشراف للفتن ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي والماشي خير من الساعي من استشرف لها تستشرفه»، أي: تهلكه، «فمن وجد ملجئاً أو معاذاً فليعذ به» أي: يعتزل الفتن، يعتزلها.

وقد قال عليه الصلاة والسلام: «إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن ولمن ابتلي فصبر فواها »، أخرجه أبو داود بإسناد حسن.

وهكذا من سبل السلام: الإقبال على العبادة في أوقات الفتنة أو غير الفتنة، الإقبال على العلم «من يرد الله به خيراً يفقه في الدين» روى بعض أهل السنن عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من جعل الآخرة همه جمع الله عليه شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة» هذه المذكورة في هذا الحديث من أعظم سبل السلامة من الفتن «ومن جعل الدنيا همه فرق الله عليه شمله وجعل فقره بين عينيه ولم يؤته من الدنيا إلا ما كتب له» وثبت عن معقل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما يروي عن ربه عز وجل: «يا ابن آدم تفرق لعبادتي أملأ يديك رزقاً، وأملأ قلبك غنىً ولا تباعد عني أملأ يديك شغلاً وأملأ قلبك فقراً» حديث قدسي عظيم.

والله عز وجل يقول: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾[البقرة:45]، أمر الله عز وجل بالاستعانة على نوائب الحياة بالصبر والصلاة هذا أعظم سبيل للنجاة، من سبل السلام: الصمت إلا في ذكر الله وطاعة الله عز وجل ففي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت»، قال صلى الله عليه وسلم: «العبادة في الهرج كهجرة إليّ » ومن العبادة صمتك بخير أو سكوتك بخير كل ذلك عبادة، نعم.

من سبل السلام: عدم إطلاق لسانك إلا فيما يرضي الله سبحانه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يلقي لها بالاً يهوي بها في النار»، من سبل السلام بعدك عن ذوي الأهواء بعدك عن ذوي الأهواء والفتن، الله عز وجل يقول: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾[الكهف:28]، ويقول عز وجل: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾[النجم:29].

من سبل السلام: حسن الخلق، يقول الله سبحانه في كتابه الكريم: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾[فصلت:34-35]، من الخلق العفو، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مأموراً بالعفو عند هجرته.

«مر على أبي الحباب بن سلول وعلى بعض الأخلاط فوعظهم فاغتاظ من ذلك ابن سلول وقال: ما أحسن ما تقول، ولكن امكث في مكانك إن كان حقاً فمن أتاك فعظه، قال بعض الصحابة: بلى يا رسول الله وسوف يغشانا في مجالسنا وارتفعت الأصوات حتى جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم ويهدئهم»، وهذا سبيل من سبل السلام تهدئة الفتن، نعم. « ثم انطلق إلى سعد بن عبادة قال: ألم ترَ ما صنع أبو الحباب؟ -شكا عليه- قال: اعفُ عنه واصفح يا رسول الله، فأنزل الله تصديق قول سعد بن عبادة: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ﴾[البقرة:109]»، بل أمره الله عز وجل أن يلزم العفو، ويأخذ العفو سبيلاً لسلامته وسلامة دعوته ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾[الأعراف:199]. وقال...