نسخة الجوال
ترجمة الشيخ
الفتاوى
الصوتيات
المقالات
المكتبة العلمية
الفتاوى الصوتية المفرغة
إرسل سؤلاً
اتصل بنا
الصوتيات -> خطب ومحاضرات متنوعة
عنوان الملف نور الجنان بالحث على معرفة أحكام وآداب القرآن
تاريخ إضافة الملف 24/03/2009
عدد المشاهدات( 3195 ) عدد مرات التنزيل( 901 )

[نور الجنان بالحث على معرفة أحكام وآداب القرآن(150)]

خطبة جمعة بتاريخ: (28 شوال 1428هـ)

(للشيخ العلامة المحدث: أبي عبد الرحمن يحيى بن علي الحجوري -حفظه الله تعالى-)

================================

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾[آل عمران:102]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾[النساء:1]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾[الأحزاب:70-71].

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾[الأنعام:134].

أيها الناس! يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾[الحج:32]، أبان الله عز وجل أن تعظيم شعائر الله علامة جلية على تقوى القلوب، ومفهوم الآية أن عدم تعظيم شعائر الله علامة جلية على ضعف التقوى في القلوب، وشعائر الله هي علامات دينه، من أعظمها وأجلها بل أعظمها على الإطلاق هو كلام الله عز وجل، القرآن الذي يجب تعظيمه في النفوس، قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾[التوبة:6]، وقال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾[الفتح:15].

فالقرآن كلام الله، والله سبحانه وتعالى يجب أن يعظم، ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾[نوح:13-14]، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾[الزمر:67]، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾[الأنعام:91].

فواجب على المسلم، وواجب على العبد أن يعظم ربه سبحانه وتعالى، وواجب عليه أن يعظم كلام ربه، هذا الكلام العظيم الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾[فصلت:42]، هذا الكلام العظيم الذي هو كتاب هداية قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾[البقرة:1-2]، وقال الله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾[الإسراء:9]، هذا كتاب هداية، كلام الله يجب أن يعظم؛ لأن عليه حياة الإنسان الحقيقية وعليه هداية الإنسان الحقيقة: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾[الشورى:52].

فالله جعله روحاً؛ لأنه لا روح لإنسان لم يتغذّ بهذا الروح، لم يتغذّ بهذا الوحي، وإنما روحه كأرواح الذين لم يعتنوا بالقرآن، أرواح حيوانية قليلة الفائدة في هذه الحياة الدنيا، وسماه الله عز وجل نوراً؛ لأنه لا استبصار إلا به، ولا اهتداء إلا به، وسماه الله عز وجل موعظة، وليس مثل القرآن موعظة أبداً: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾[يونس:57].

وقد اشتملت هذه الآية على عدة أوصاف للقرآن:

الوصف الأول: أنه موعظة من رب العالمين، وليست من مخلوق من المخلوقين، ﴿مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾[يونس:57].

الوصف الثاني: أنه إذا استعملت هذه الموعظة وأعطيت حقها أنه بعد هذا يحصل الهداية والشفاء ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾[يونس:57].

الوصف الثالث: أنه بعد الاستشفاء به وأخذه كما أراد الله عز وجل أنه كتاب هداية ولن يضل من اهتدى به: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾[طه:123-124] الآيات.

الوصف الذي بعده: أنه ينتفع به المؤمنون ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾[يونس:57]، يصير رحمة عليهم في الدنيا، ورحمة عليهم في الآخرة، ففي الدنيا يستبشرون به، ويستبصرون به ويهتدون به، وفي الآخرة يشفع لهم: «.. يؤتى بالقرآن وأهله تقدمه البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان.. تحاجان عن صاحبهما »، أخرجه مسلم عن النواس عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وفي حديث أبي أمامة عند الإمام مسلم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه» أي: الذي يعملون به.

هذه فوائد عظيمة، ذكرها الله في هذه الآية، جمعها من فوائد القرآن مما يستفيده المؤمن فوائد تدريجة وأنه من أتى بالرتبة الأولى استفاد بعد ذلك الرتبة التي تليها، ومن قصر في الرتبة الأولى حصل التقصير عليه في الرتبة التي تليها، فإذا لم يتعظ بالقرآن لم يحصل من وراء ذلك شفاء لما في صدره، وإذا لم يحصل من ذلك اتعاظ ولا استشفاء لم تحصل هداية ولم يحصل له رحمة؛ لأنه أعرض عن ذكر الله.

هذا كتاب عظيم، كتاب الله سبحانه وتعالى كتاب عزيز سماه الله عز وجل فهو أعظم شعيرة يجب أن تعظم في النفوس، ومن أجل تعظيمها العمل بها تدبره من العمل بهذا القرآن العظيم، وتعظيم هذا القرآن العظيم تدبره والعمل به وتلاوته قال الله عز وجل لنبيه ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾[النمل:91]، وأمرت أن أتلو القرآن فقال: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾[العنكبوت:45]، أمره أن يتلو القرآن، قال: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾[القيامة:17-19]، أمره الله أن يقرأ القرآن، فقراءة القرآن واجبة في الصلاة بقدر ما يستطيع وفي خارج الصلاة أيضاً حتى لا يكون معرضاً عن كتاب الله: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾[الفرقان:30]، فمن لم يعمل بالقرآن ولم يعتنِ بقليله ولا كثيره ليس ببعيد أن يعرض لهذه الشكوى النبوية على رب العالمين سبحان وتعالى، بسبب بعده عن القرآن، تلاوة القرآن: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾[العلق:3-5].

هذا حكم مهم من أحكام هذا القرآن ومن تعظيمه، تعظيم هذه الشعيرة العظيمة، وهكذا بيانه للناس فإن الله سبحانه وتعالى ذم الذين لم يبينوا القرآن وذم الذين يكتمونه فبيانه واجب وهو من تعظيم هذا الدين، ومن تعظيم هذا الوحي، ومن تعظيم رب العالمين وكلامه الأمين، قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾[آل عمران:187]، ذمهم على أنهم ما بينوا كتاب الله، ذمهم ووبخهم وصار من أسباب لعنتهم: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾[المائدة:78-79]، ومن المنكر أنهم اتخذوا القرآن متجراً واكتساباً ما يتناهون عن ذلك.

فبيان كتاب الله واجب ولهذا قال الله لنبيه: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾[النحل:44]، وقال: ﴿هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾[إبراهيم:52]، وقال: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾[آل عمران:138]، سماه الله بياناً وبينه وأمر نبيه ببيانه، وأمر كل من له القدرة على بيانه أن يبينه تعظيماً لهذه الشعيرة العظيمة ولهذا الدين، فالقرآن دين الله، القرآن والسنة دين الله يبين بعضهما بعضاً ينسخ بعضهما بعضاً يخصص بعضهما بعضاً: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾[النجم:1-5]، ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾[الشعراء:193-195].

﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾[الدخان:1-3]، سماه الله سبحانه مبيناً، وما ذلك إلا للانتفاع به والاستفادة منه، هذا تعظيم عظيم جليل لهذا الكتاب العزيز يجب على المسلم أن يعتني بكتاب الله؛ لذا ثبت في صحيح مسلم عن زيد بن أرقم قال: «نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بماء يدعى خم ونزلنا حوله فقال: أيها الناس إني رسول ربي يوشك أن يدعوني فأجيب وإني تارك فيكم ثقلين أولهما: كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به -فحث على كتاب الله ورغب فيه- »، ولنا في رسول الله أسوة حسنة من تعظيم هذا الدين وهذا القرآن الكريم أن يحث على كتاب الله حفظاً وتدبراً وعلماً وعملاً ودعوة إليه، واجب أن يدعى إلى كتاب الله فإنها دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزل الله عليه: ﴿الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾[إبراهيم:1]، بإذن ربهم، وقال الله في كتابه الكريم: ﴿المص * كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾[الأعراف:1-3].

واجب أن يتلى القرآن وواجب أيضاً أن يتغنى به، أن يتغنى به وأن يحسن الصوت به بقدر المستطاع أمر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بل قال: «ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن»، ثبت عند أبو داود من حديث أبي لبابة بشير بن عبد المنذر رضي الله عنه، فإذا كان الذي لم يتغنّ بالقرآن (ليس منا) معناه: أن هذا وعيد شديد في أن الذي لم يتغنّ بالقرآن مع قدرته عليه ولم يعطِ القرآن حقه واجب، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان يحبذ ذلك قال لأبي موسى: «لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود »  الحديث في الصحيحين عن أبي موسى رضي الله عنه، قال: «لو رأيتني البارحة وأنا أستمع لقراءتك قال: يا رسول الله لو علمت أنك تستمع لقراءتي لحبرته لك تحبيراً»، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به».

وهكذا أيضاً يجب أن الإنسان إذا أراد قراءة القرآن أن يلجأ إلى ربه من الشيطان الرجيم فإنه يحاول جاداً على أن يحول بينك وبين الاستفادة من هذا الكتاب العظيم من تفقهه وتفهمه وتدبره، ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾[النحل:98-100].

أنت مأمور بالتدبر والشيطان حرب عليك بهذا الجانب الله يقول: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾[محمد: 24]، قال عن المشركين: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ * فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[فصلت:26-27]، وقال الله: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾[النساء:82].

وهناك آداب لهذا القرآن لحملته ولتلاوته يستفيدها القارئ والسامع ويستفيدها المسلم، فوائد عظيمة، من ذلك: أن يسمعه من حسن الصوت أيضاً، «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب ذلك»، والحديث المذكور عن أبي هريرة في المعنى في هذا الشأن وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اقرأ علي القرآن، قال: أقرأ عليك وعليك أنزل، قال: إني أحب أن أسمعه من غيري، قال: فقرأت عليه من سورة النساء حتى بلغت قول الله عز وجل: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾[النساء:41]، قال: حسبك الآن، فنظرت إليه فإذا عيناه تذرفان»، رسول الله كان يحب أن يسمعه من غيره، وقد كان يسمعه من أبي موسى وينصت لتلاوته.

ويستحب أيضاً أن يكون الإنسان ماهراً بالقرآن، ثبت عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران»، انظر على فضل عظيم في المهارة بالقرآن وفي القوة فيه هذا من تعظيم شعائر الله، كلما تمكن الإنسان من هذا الدين العظيم دل على تعظيم هذه الشعيرة ودين الله في نفسه بإذن الله عز وجل، نعم.

وهكذا يجهر به ولا يقرأه سراً فإن قراءته جهراً أفضل من قراءته سراً، ثبت من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة»، من أهل العلم من يقول: الجهر بالصدقة عند أمن الرياء للتأسي بذلك المتصدق أفضل، وهذا قول صحيح؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حين جاء وفد مضر وهم متقلدو الرماح، متقلدو السيوف مجتابو النمار عراة حث النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة، فجاء رجل بصرة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت فوضعها وتتابع الناس بعد ذلك الرجل فأثنى النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الفعل وقال: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة»  أثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، نعم.

وهكذا رسول الله صلى الله عليه وسلم حث على الصدقة فجعل الرجل يلقي من ثوبه وذلك يلقي أيضاً أن يتصدق، وفي صلاة العيد حين أن انصرف حث على الصدقة جهراً، الصدقة جهراً عند أمن الرياء أفضل، يؤيد ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أذن الله لنبي لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به» يجهر بالقرآن والله يقول: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾[الإسراء:110]، هذه الآية بيان للجهر المعتدل بحيث لا يشق على نفسه، وبحيث يسمع غيره، وكلما كان الجهر معتدلاً كان أنفع للتلاوة.

«مر النبي صلى الله عليه وسلم بابن مسعود رضي الله عنه وهو يقرأ القرآن يسحله سحلاً فقرأ سورة النساء فسحلها سحلاً ثم جعل يدعو سجد وجعل يدعو يقول: اللهم إني أسألك إيماناً لا يرتد ونعيماً لا ينفد ومرافقة نبيك محمد في أعلى درجات الخلد قال عليه الصلاة والسلام: سل تعطه.. سل تعطه.. سل تعطه»، أهل العلم يقولون: اجتمع في هذا الأمر ثلاثة أمور:

الأمر الأول: أنه دعا بعد القرآن.

الأمر الثاني: أنه دعا وهو ساجد.

الأمر الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سل تعطه.. سل تعطه» أي: أنه أمّن على دعائه، فلهذا الأمور ابن مسعود رضي الله عنه مستجاب له بهذه الدعوات، نعم.

ومن آداب تلاوة القرآن: التطهر لتلاوته: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾[عبس:11-16]، فالله جعله بأيدي سفرة، وجعله بأيدي المطهرين وما ذلك إلا لتعظيمه وتنزيهه، التطهر: « لا يمس القرآن إلا طاهر » والمقصود من ذلك لا يمسه مشرك، وأما المسلم فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن المسلم لا ينجس».

وهكذا النبي صلى الله عليه وسلم « سُلم عليه فتيمم ثم رد السلام »، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» وما ذلك إلا أن الصلاة فيها تلاوة لكلام الله عز وجل، وهذا من تعظيم دين الله، ومن تعظيم الله شعائر الله وكلام الله، وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قرأ أحدكم القرآن فإن الملك يضع فمه على فيه فطهروا أفواهكم للقرآن».

فغلط فادح أن يقرأ إنسان قرآن وفمه قد يكون فيه آثار الشمة أو الدخان أو غير ذلك من المعاصي! نعم.

من آداب هذه التلاوة التي يستفيدها الإنسان: العناية ببيان القرآن أيضاً بالترجمة، الترجمة المعنوية هذا من بيان القرآن ﴿لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾[الأنعام:19]، قال الله عز وجل: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾[آل عمران:138]، وقال: ﴿هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ﴾[إبراهيم:52]، وما يكون واضحاً عند الأعاجم إلا ببيان معانيه وترجمته لهم، أما الترجمة اللفظية فإنها محرمة؛ لأن الله جعل القرآن عربياً وترجمة القرآن من عربي إلى أعجمي بلفظه يحيله عما أنزله الله سبحانه، ولا يمكن في لغة من اللغات أن يصير القرآن على هذا المعنى، فيصير قد غير ما أراده الله أو غير كلام الله وبدل كلام الله وحرف كلام الله عن معانيه، وكلام الله معجز: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾[الإسراء:88].

فترجمته اللفظية حرام، أما ترجمته المعنوية فإنها من خبير بذلك، ممن لا يحيل معناه ذلك واجب بقدر المستطاع لبيان كتاب الله، لبيان كتاب الله عز وجل، ولقول الله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾[النساء:115].

ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتب بالقرآن وببعض الآيات من القرآن إلى الكفار، (وأمر زيد بن ثابت أن يتعلم لغتهم ليفهم ما يكتبون)، نعم، هذه بعض ما يتعلق بالقرآن مما يعتبر بين واجب ومندوب للعناية به.

فالله الله عباد الله بالعناية بهذا الكتاب، علينا بالعناية به وبالمداومة عليه، ففي الصحيحين عن أبي موسى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تعاهدوا هذا القرآن فو الذي نفسي بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عقلها»، أي: تعاهدوه داوموا عليه ثبتوه فكلما كان الإنسان متحرياً للقرآن مكثراً منه ثبت عنده أكثر.

وبالله التوفيق.

الخطبة الثانية:

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد:

هذا القرآن ثقيل قال الله سبحانه: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾[المزمل:5]، لذا كره بعض أهل العلم أن يقال: سورة خفيفة أو يقال سورة صغيرة كما جاء عن ابن سيرين وأبي العالية كراهة ذلك، وهذا مستند إلى دليل من كتاب الله عز وجل، ويجوز أن يقال سورة قصيرة لما ثبت عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه أنكر على مروان بن الحكم قال: (إنك تقرأ في صلاة المغرب بقصار السور أو بقصار المفصل وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ فيها بطولى الطوليين)، وهذا مما يدل على عنايتهم رضوان الله عليهم بالقرآن إذ بينوا فيه: أنه منه ما هو طوال السور وهذا أمر متفق عليه من سورة البقرة إلى نهاية سورة الأعراف، تسمى بطول الطوليين ومما اختلف فيه الأنفال والتوبة، فمنهم من يقول: هي السابعة، السبع الطوال السابعة الأنفال مع التوبة، ومنهم من يقول هي يونس والذي يظهر القول الأول.

البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والأنفال والتوبة، فالأنفال والتوبة سورة واحدة إذ لم يجعل بينها فاصل.

ثم بعد ذلك ما يسمى بالمئين: وهو ما كان من السور في حدود المائة فيزيد قليلاً ثم بعد ذلك ما يسمى بالمثاني وهو ما يثنى في قراءتها أو ما كان تبعاً لما قبله، ثم بعد ذلك المفصل، والصحيح أنه من سورة (ق) إلى آخر القرآن، ومنه طوال ووسط وقصار، فطوال المفصل إلى جزء عم، ووسطه إلى البروج، وآخره إلى الناس على قول، والصحيح أن المفصل يبدأ من سورة (ق) لما جاء في مسند أحمد في ذلك مما يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وهكذا مما يتعلق بهذا الجانب: أن المصحف إذا تلف لا يترك؛ بأن يكون في القمائم أو في المزابل أو ما إلى ذلك في ما يلوثه بل إحراقه فإن عثمان رضي الله عنه وسائر الصحابة رضوان الله عليهم حين أمر بالمصاحف التي قد جمعت في زمن أبي بكر وعمر وبقيت عند حفصة رضي الله عنها أمر بها أن تجمع في مصحف واحد حتى لا يتفرق الناس ويختلفون ويبقى كل واحد منهم يأخذ تلاوة ويختلفون فأدرك الناس بجمع ذلك المصحف من حفظ دين الله عز وجل وأجمع الصحابة على ذلك وأمر بالمصاحف الأخرى فأحرقت.

هذا هو الحكم الشرعي فيما فيه ذكر الله عز وجل من المصاحف والكتب والأوراق وغير ذلك أنها تحرق حتى يكون تعظيماً لها وإبعاداً لها عن التلوث.

لا ينبغي أن يقرأ القرآن في أماكن الحمامات أو القاذورات فإن هذا من غير تعظيم شعائر الله، لا بأس أن يقرأ الإنسان القرآن بجوار ذلك فقد وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجره على فخذ عائشة وقرأ القرآن، أما أن يدخل إلى الكنيف أو ما إلى ذلك أو الخلاء فيقرأ فإن هذا من المكروهات، من المنهيات، من عدم تعظيم شعائر الله عز وجل.

ينبغي أو كذلك مما يبتعد عنه: لا يسافر بهذا القرآن العظيم إلى أرض العدو، ولا يباع من الأعداء؛ لأن ذلك يعرضه للامتهان، جاءت رواية في حديث عبد الله بن عمر الذي في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يسافر بالقرآن إلى أرض العدو» أي: خشية الامتهان، إلى أرض العدو، فيه زيادة تدل على هذا المعنى أما إذا كان مع أمن ذلك فقد سافروا بالقرآن معهم من الصحف في اللحاف وفيما عندهم مما كان من قبل إلى أرض بعيدة وهم آمنون من وقعه في يد العدو.

لا يطلب على تلاوة القرآن ولا على تعليمه أجراً فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اقرءوا القرآن فإنه سيأتي أقوام يتعجلونه ولا يتأجلونه»  أي: يعملوا به ويقرأه على مقابل شيء يعطاه على تلاوته أو يعطاه كذلك على تعليمه، هذا مكروه عند أئمة الحديث، فإن أعطي الإنسان شيئاً بغير مقابل لا بأس، أما اشتراط شيء على تعليم القرآن فمكروه لما سمعتموه من الدليل.

هذا موضوع مهم جداً ينبغي العناية به ولكن الإطالة في الخطبة على خلاف هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان ذلك ماذا؟ مما قد يتشعب في ذلك الشأن..