نسخة الجوال
ترجمة الشيخ
الفتاوى
الصوتيات
المقالات
المكتبة العلمية
الفتاوى الصوتية المفرغة
إرسل سؤلاً
اتصل بنا
الصوتيات -> خطب ومحاضرات متنوعة
عنوان الملف إرشاد الفهيم إلى شرح اسم الله (العليم)
تاريخ إضافة الملف 26/03/2009
عدد المشاهدات( 4982 ) عدد مرات التنزيل( 807 )

[إرشاد الفهيم إلى شرح اسم الله (العليم)- (167)]

خطبة جمعة: (15 رجب 1429هـ)

(للشيخ المحدث: أبي عبد الرحمن يحيى بن علي الحجوري -حفظه الله تعالى-)

=======================

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾[آل عمران:102]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾[النساء:1]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾[الأحزاب:70-71].

أما بعد:

فيقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾[الزمر:67], ويقول سبحانه, ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا..﴾[الأنعام:91], الآية، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا * أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا * وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾[نوح:13-18] الآيات.

في هذه الآيات وجوب تعظيم الله سبحانه وتعالى وأن من لم يعظم الله ولم يقدر الله حق قدره أنه ظالم لنفسه وأنه مرتكب لعظائم الأمور وموبقاتها ألا وإن من ما يستعين به الإنسان على تعظيم الله سبحانه وتعالى وتعظيم دينه وتعظيم شعائره وتعظيم ما عظمه الله له معرفة مقتضيات، وثمار آياته الحسنى فإن من علم ذلك وعمل به كان من أهل الجنة، وما ذلك إلا لما يترتب على ذلك من الأعمال العظيمة ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن لله تسعة وتسعين أسماً مائة إلا واحد وهو وتر يحب الوتر من أحصاها دجل الجنة».

وعند التأمل في هذا الحديث يرى أن ما رُتب على معرفة هذه الأسماء أمر عظيم، أمر فيه يتنافس المتنافسون، أمر من أجله قامت السماوات والأرض، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ[البقرة:220] فما خلق الله الكون إلا للابتلاء ليعلم من يستحق الجنة ومن يستحق النار، ومن هو أهل لتلك ومن هو أهل للأخرى.

وأهل العلم يدور مقالهم وبيانهم على هذا الحديث: أن (من أحصاها) المقصود علمها ويضاف إلى ذلك حفظها وفهمها وفقهها عمل بمقتضاها، بلا شك أن من كان هذا حاله أنه عمل بمقتضى هذه الأسماء العظيمة أنه أتى بمراد الله سبحانه وتعالى منه بقدر استطاعه لا يألوا جهداً في وصوله إلى الخير وفي بعده عن الشر.

ومن ذلك: أنه يدعو الله عز وجل بها، من مقتضى ذلك أنه يدعوه سبحانه وتعالى بها كما أمر في قوله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[الأعراف:180] أي: اعرضوا عن هذا الصنف الذين يأتون بمسميات، يشركون بها أسماء الله سبحانه وتعالى ذروهم ودعوا الله عز وجل بهذه الأسماء, أي: بأسماء الله الحسنى ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا[الأعراف:180].

فإذا أردت شيئاً فادعُ الله عز وجل بسمه، إذا طلبت المغفرة من الله ادعُ الله عز وجل باسم (الغفور) أن يغفر لك، وإذا طلبت العزة من الله فادعُ الله عز وجل باسم (العزيز) أن يعزك، وإذا طلبت الرحمة من الله فادعُ الله باسم (الرحيم) يرحمك، وإذا طلبت الرزق من الله فادعُ الله عز وجل باسمه (الرزاق) يرزقك، وهلم بعد ذلك من الأسماء فلا تأتِ باسم وتركب عليه ما لا يناسبه: كأن تقول يا جبار يا منتقم اغفر لي، هذا ليس بلائق ولكن أهل العلم فهموا من ذلك على أن المقصود ﴿فادعوه بها﴾ بما يناسب الحال ويا له من فقه في أسماء الله الحسنى!

وكل اسم من أسماء الله عز وجل.. أي اسم تدعوه به فإن ذلك من أسباب الإجابة: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى[الإسراء:110].

وهكذا سائر أسمائه الثابتة لله عز وجل التي غير محصورة بعدد معلوم لنا لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾[طه:1-5] إلى قول الله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾[طه:6-8], له الأسماء الحسنى البالغة في الحسن غايته قال سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى[الحشر:24], فهذه الأسماء الحسنى إذا تدبر الإنسان ما يترتب عليها من الأجور العظيمة على العمل بها على علمها وفهمها والعمل بمقتضاها، فإن ثمار ذلك عظيمة ثمار ذلك الجنة، وتأمل إلى اسم عظيم من أسماء الله عز وجل وكيف يكون أثر ذلك الاسم على العبد إن هو عمل بمقتضاه إلا وهو اسم الله سبحانه وتعالى (العليم) فإن من أسمائه العليم: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾[الملك:14], ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾[البقرة:282], ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾[الأحزاب:40], قال الله سبحانه وتعالى, ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾[سبأ:48], وقال, ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾[الجن:26-27].

 فمن أسمائه (العليم والعالم والعلام) وكلها صيغة مبالغة في سعة علم الله سبحانه وتعالى، وهذه الصيغة إذا قارنتها بالأدلة الأخرى يتبين لك سعة علم الله سبحانه وتعالى بكل شيء ففي قول الله سبحانه ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ[الأنعام:60], هل بقي في الكون شيء لم يعلمه الله في سائر الموجودات والمخلوقات مما لا يعلمه إلا الله؟ أبداً، فكل شيء تجرحه وتمسه وتعمله الله يعلمه، يا لها من ثمرة إذا تدبر الإنسان مقتضى هذا الاسم لله سبحانه وتعالى، هذا زاجر لك: أنك لا تمس شيئاً بيدك إلا وتراقب به رب العالمين: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ[الأنعام:60], أي شيء تجرحه وتمسه بسائر جوارحك الخمس أو بغيرها فإن الله يعلمه، فهنا لا تنفك عنك بأذن الله عز وجل مراقبته.

ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾[الأنعام:59], حبة أو ورقة من الأوراق في بادية من البوادي أو شجرة من الأشجار أو مكان من الأمكنة مما لا يعلمه إلا الله لا تسقط ورقة إلا يعلمها الله، فما بالك أنت أيها المسلم أو أنت أيها العبد لا شك أن أي حركة لك ظاهرة أو باطنه أين تنفك منها؟ وأين تذهب من علم الله سبحانه وتعالى المحيط بك؟ ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾[الملك:14], كل من خلقه سبحانه وتعالى فإنه يعلمه سواء كبر أو صغر: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ * هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ[آل عمران:5-6], هذا يبعث فيك غاية الطاعة لله سبحانه وتعالى: أنك تبقى دائم المراقبة لله سبحانه وتعالى.

أثر علم الله سبحانه وتعالى وأثر هذا العلم أثر هذا الاسم عليك أنك تكون خائفاً من الله سبحانه وتعالى واثقاً به سبحانه وتعالى قنعاً بما آتاك: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾[هود:6], فإذا أنت عملت بمقتضى هذا الاسم وهو العالم، اسم الله سبحانه وتعالى (العالم والعلام والعليم) صارت عندك غاية القناعة على أن الله لن يضيعك ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا[هود:6], سواء كنت في ظلمة أو في جهار أو ليلة أو نهار سواء كنت في خلوه أو جلوة فالله يعلم ما أنت عليه: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾[محمد:19] سواء كنت ملتحفاً أو كنت أيضاً عرياناً فالله يعلمك، سواء كنت فقيراً أو كنت غنياً فالله يعلمك، فما بقي إلا أنك تعمل بمقتضى أسماء الله سبحانه وتعالى واعلم أنك في غاية السعادة بإذن الله عز وجل: ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾[هود:5], الأشياء التي في الصدور لا تعلمها أنت هي أخفى من السر: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى[طه:7], فالسر ما بين اثنين أو ربما أكثر من ذلك، وأخفى من ذلك ما كان في الصدور، والله يعلم السر وأخفى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾[هود:5], هذه الآية نزلت في أناس كانوا إذا قضوا حاجاتهم استخفوا واستحيوا وإذا أتى أحدهم امرأته استحيى أي من أن ينكشف أمام السماء أو نحو ذلك، فأنزل الله هذه الآية أين تذهبون من علم الله سبحانه وتعالى، في أي حال فالله يعلمكم وعند قول الله عز وجل: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾[فصلت:22].

أبان الله أن هذا الظن ظن كفري، الذي يظن أن الله لا يعلم ورقة من الأوراق أو شجرة من الأشجار أو حركة من الحركات أو سكنة من السكنات في أي حال من الأحوال يكون كفر بالله سبحانه وتعالى قوله هذا كفر: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾[فصلت:22-23].

سبب نزول هذه الآية ظن المنافقين ظن السوء اجتمع رجلان من ثقيف وختن لهم من قريش أو رجلان من قريش وختن له من ثقيف فتحدثوا فقالوا: أترون أن الله يسمع حديثنا؟ قالوا: بعضهم يسمع بعضه ولا يسمع البعض الآخر، ولا يسمع بعضاً، وقال بعضهم: إن سمع بعضه فسيسمعه كله، وهؤلاء الأصناف من المنافقين كثيرة شحم بطونهم قليل فقه قلوبهم، كما في حديث ابن مسعود متفق عليه فأنزل الله الآية المذكورة ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ..[فصلت:22] إلى آخرها، فلا يستطيع أحد أن يستتر من علم الله، ولكن اعلم أنك إن عملت بذلك أنه خفف عنك كثيراً من المعاصي وأقبل بك على كثير من الخوف من الله سبحانه وتعالى.

يقول الله سبحانه وتعالى مبيناً سعة علم الله وأنه يستوي فيه السر والجهر ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾[الرعد:10] (سواء) الكل سواء الذي يسر بالقول أي قول كان والذي يجهر به سواء، والذي هو مستخف أو سارب ماشي سواء، الكل عند الله سبحانه وتعالى سواء، فأين تذهب من علم الله سبحانه؟

يا لها من ثمار يكتسبها من عمل بمقتضى هذا الاسم لله سبحانه وتعالى، فكيف بمن عمل بمقتضيات أسماء الله عز وجل كلها؟ لا شك أن هذا مستحق للجنة إن شاء الله بفضل الله ورحمته.

وانظر إلى المنافقين وكيف وبخهم الله بسوء ظنهم بالله وعدم مراقبته وعدم عملهم بأسمائه: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾[البقرة:75], ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾[البقرة:14-15], ﴿وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ * أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾[البقرة:76-77], السر والعلن كله يعلمه الله سبحانه وتعالى، أثر هذا الاسم على توكلك وعلى اعتمادك على الله، وعلى الإيمان بالقدر: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾[التغابن:11], والله سبحانه وتعالى يعلم من العبد ما لا يعلمه العبد من نفسه، يعلم من العبد ما لا يعلمه العبد من نفسه، فالعبد قد يعلم أو الإنسان قد يعلم من نفسه أشياء ظاهرة وعنده أشياء خافية لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، لا يطلع على ما في جوفه ولا يعرف أمراضه، يتألم منها ويئن منها.. ولا يدري ما هي؟! وربما اجتمع آلاف الأطباء على أن يعلموا من ذلك الشخص شيئاً من الأشياء لا يستطيعون ولا يحيطون بذلك والله يعلمه سبحانه وتعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾[البقرة:255].

الخطبة الثانية:

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله عليه صلوات الله وسلامه.

أما بعد:

فيا لها من غفلة عن علم الله سبحانه وتعالى بعباده وعن مراقبة الله سبحانه وتعالى بذلك، يا لها من غفلة عن مقتضى هذا الاسم العظيم! اسم (العليم) اسم (العلام) اسم (العالم) فإن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾[الحاقة:18], أي خافية يظنها الإنسان أنها تخفى؟ لا يمكن أن تخفى، وما ذلك إلا أن الله قد أحاط بكل شيء منه، ومع ذلك أشهد عليه جوارحه: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾[فصلت:19-21], ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾[يس:65], وتأمل ذا النون عليه الصلاة والسلام وهو في لجج البحار، ولكنه يعلم علم اليقين أن الله عز وجل يعلمه: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾[الأنبياء:87-88], ما هذا من نبي الله ذا النون إلا عمل بمقتضى هذا الاسم العظيم لله سبحانه وتعالى أن الله (عالم وعلام وعليم).

وهكذا نبي الله عيسى عليه الصلاة والسلام: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ[المائدة:116-117], (الرقيب) أيضاً هذا الاسم مضاف ومرادف لاسم الله عز وجل، مرادف من حيث اسم الله سبحانه وتعالى (العليم) فإنه عليم بهم ورقيب عليهم، وسميع لكلامهم وبصير بأعمالهم وأقوالهم: ﴿كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ[المائدة:117] أي: مطلع ومحيط بهم، على كل شيء، لا تخفى منهم خافيه، وهكذا تتوالى الأدلة في مقتضى هذا الاسم العظيم لله سبحانه وتعالى، هنيئاً لمن عمل بذلك عمل بمقتضى هذا الاسم العظيم، الثلاثة أصحاب الغار حمل الثلاثة على ذلك التوسل بأعمالهم الصالحة أنهم ما ظنوا ظن السوء أن الله لا يراهم، ولكن علموا يقيناً أن الله يراهم في جوف صخرة، ليس هناك أي مفر، ولا أي حال أو أي ثقب ولا نقب ينظرون منه ولكن لجئوا إلى الله لعلمهم بمقتضى هذا الاسم، وعملهم بمقتضى هذا الاسم: «إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم» فضرعوا إلى الله بصالح أعمالهم ففرج الله سبحانه وتعالى عنهم، قال أحدهم: اللهم إن كنت تعلم أني فعلت كذا.. وكذا، والثاني يقول: إن كنت تعلم إني فعلت كذا وكذا وكلهم يتوسل إلى الله عز وجل بعلمه بما عمله ذلك الشخص من الأعمال الصالحة التي لم يطلع عليها إلا هو كما أنه يعلم حالهم في ذلك الحين وفي ذلك الضيق.

وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظلة: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله», هذا عمل بمقتضى اسم من أسماء الله سبحانه وهو أن الله مطلع عليه ويراه؛ فلهذا وقفه ذلك العلم عن أن يرتكب كبيرة وربما كان ذات منصب وجمال وفي مكان لا يعلمه إلا الله.

انظر إلى نبي الله يوسف عليه الصلاة والسلام: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾[يوسف:23], ﴿وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾[يوسف:23], ما الذي منع يوسف عليه الصلاة والسلام من أن يأتي تلك المرأة مع شدة المحاولة وبذل الوسع والجمال الفائق.. وغير ذلك؟ إنه عمل بمقتضى هذا الاسم لله سبحانه وتعالى؛ فلهذا وقف عن ذلك، وأثنى الله ثناءً عظيماً على نبيه يوسف عليه الصلاة والسلام بهذا العمل وبهذا الخوف وبهذه المراقبة.

إن العمل بهذا الاسم يجعلك تعبد الله عز وجل كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك كما ثبت عند الإمام مسلم قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم:«أخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك», يعلمك ويراك ويسمعك، يدفع بك العمل بمقتضى هذا الاسم إلى أنك تعمل عملاً جاداً في طاعة الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾[المؤمنون:57-61], لا تزال قلوبهم وجلة أنهم سيرجعون إلى الله سبحانه وتعالى، وهو العليم وهو العلام وهو السميع البصير، قالت عائشة: «سبحان من وسع سمعه كل شيء، لقد جاءت خولة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تشكو زوجها فكان يخفى عليّ كلامها، -والله سمع كلامها من فوق سبع سماوات- فأنزل الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾[المجادلة:1]» , ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾[الحديد:3], «هو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء» كما في الصحيح هكذا الآية مفسرة بالحديث.

﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾[الحديد:4], فالله مع العبد مع كل حركة وسكنة منه وذلك مقتضى هذا الاسم: ﴿أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾[البقرة:231], ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾[الملك:14].

أيها الناس! غفلة سحيقة من الناس أدت بهم إلى معاصي كثيرة؛ لأنهم لم يعملوا بمقتضى أسماء الله الحسنى وبالأخص بمثل هذا الاسم، وغير ذلك من الأسماء كل اسم لو أراد الإنسان بيان ما فيه من الثمار، وبيان ما يترتب على ذلك من الأجور في العمل به استوعب ذلك جزءاً مستقلاً.

ونسأل الله التوفيق لما يحبه ويرضاه، والحمد لله.