نسخة الجوال
ترجمة الشيخ
الفتاوى
الصوتيات
المقالات
المكتبة العلمية
الفتاوى الصوتية المفرغة
إرسل سؤلاً
اتصل بنا
الصوتيات -> خطب ومحاضرات متنوعة
عنوان الملف السياسة الشرعية وأهميتها في التعايش السلمي
تاريخ إضافة الملف 26/03/2009
عدد المشاهدات( 4572 ) عدد مرات التنزيل( 904 )

 [السياسة الشرعية وأهميتها في التعايش السلمي(137)]

خطبة جمعة بتاريخ: (18/ 3/ 1428هـ)

(للشيخ المحدث: أبي عبد الرحمن يحيى بن علي الحجوري -حفظه الله تعالى-)

==================================

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾[آل عمران:102]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾[النساء:1]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾[الأحزاب:70-71].

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

أيها الناس! لقد كثر المقال فيما يسمى بـ(التعايش السلمي) بين المسلمين والكافرين، وبين الأبرار والفاجرين، وبين المصلحين والمفسدين، وبين المحقين والمبطلين، ولقد كثرة أيضاً السعاة والدعاة للتوصل إلى هذا التعايش المذكور، وما ذلك إلا لشدة بغض الناس برهم وفاجرهم لما يضيق حياتهم ويتعس معايشهم ويغلق أحوالهم، ويشغل بالهم، ويعطل مزارعهم ومتاجرهم وأسواقهم، ويهدم مشاعرهم؛ فلذلك تجد البر والفاجر كل هؤلاء يدعون إلى ما يسمى بـ(التعايش السلمي) وهذه دعوة منها ما هو حق ومنها ما هو باطل، فالتعايش السلمي بين المؤمنين؛ بحيث أن الإنسان يسلم المسلم من لسانه ويده، هذا أمر عليه أدلته من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي المسلمين أفضل؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده»، ولهذا أيضاً ضوابط فيما يتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن لا يحصل تعايش سلمي حقاً ولا يسلم العباد في دينهم ودنياهم وفي أحوالهم وأفعالهم إلا أن يطبقوا ما أبانه الله عز وجل لسبب السلامة، فالكل يبغي السلامة والكل يحذر الندامة، ولكن هناك بعض الخطط للسلامة ترسم هي في الحقيقة مناط العطب والهلاك، وهي في الحقيقة سلم الفتنة، وإن أعظم سلامة وأعظم ما يسايس الشخص أخاه، ويسايس به الراعي الرعية وتسايس به الرعية حاكمهم ويسايس به الطالب شيخه ومعلمه، ويسايس به المعلم تلميذه، ويسايس به الرجل زوجته والمرأة زوجها، والجار جاره والولد لأبيه والأب لابنه.. وسائر الناس، هو ما سلكه أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه عليهم، هذه هي السياسة التي يسعد بها الناس: أن يسلكوا ما سلكه أنبياء الله في مسايسة أممهم وقومهم، فإنهم واجهوا أناساً شتى وطرائق قدداً، واجهوا مشركين، واجهوا حاقدين، واجهوا صناديد، واجهوا منافقين، واجهوا كاذبين وكافرين، واجهوا أمماً شتى، ويأتي الرجل الذي يبعثه الله عز وجل إليهم فرداً أول ما يدعوهم فرداً، وبتلك السياسية التي آتاهم الله عز وجل استطاعوا التملك والتمكن في هذه الأرض بفضل الله عز وجل: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾[القصص:5-6].

فالناظر إلى أحوال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يرى أنهم ذرون من يسوسون الناس، وإليكم نماذج من تلك السياسات النبوية لتلك الأمم السالفة الماضية، ولهذه الأمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال أبو حازم : «صحبت أبا هريرة خمس سنين فسمعته يقول: كانت بنو إسرائيل تسوسهم أنبياءهم كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وإنه سيكون عليكم خلفاء فيكثرون، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: أوفوا بيعة الأول فالأول وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم»، ولما لم يكن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم نبي أبان رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيكون أمراء وإن لم يكونوا في السياسة لقومهم ولشعوبهم، ولأممهم لن يكونوا ولا يدانوا ولا يقربوا من سياسة الأنبياء، ولكن تكون السياسة معهم كما أبانه رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث ملازمة الشرع، والبعد عن الفتن، وهكذا الامتثال وإعطاء الحق، هذه سياسة عظيمة، وأنبياء الله ذروة السائسين للأمم، ولا تقوم حياة الناس أبداً إلا بالمسايسة، لا تقوم حياة الناس ولا تصلح حياتهم بل على مستوى الأسر، والله لو لم تسايس ولدك ما ملكته، ولو لم تسايس أهلك ما استطعت أن تعايشهم، ولو لم تسايس جارك.. ولو لم تسايس أخاك؟ فما هذه السياسة التي تقوم عليها المعايش وتصلح بها الحياة الدنيا، بل والأخرى، إنها طاعة الله وملازمة شرع الله عز وجل، فالسياسة هي في الحقيقة حسن الرعاية، ثبت عن أسماء رضي الله عنها قالت: (تزوجني الزبير رضي الله عنه وليس له مال في هذه الأرض ولا شيء إنما له فرس وناضح، فكنت أسوس فرسه وكنت أرعى ناضحه، أو قالت: كنت أخرز دلوه، فأتى أبو بكر إليّ بخادم يكفيني سياسة الفرس فكأنما أعتقني..)، انتهى الحديث المتفق عليه مختصراً.

شاهدنا من هذا الحديث: ما يثبت أن السياسة حسن الرعاية، وأنها ساسة ذلك الفرس أي: رعته، وقامت ما بشئون ما يتعلق بأمر زوجها فاستفادت من ذلك سياسة زوجها واكتساب الزوج بحسن التعامل الحسن معه، واستفادت بذلك أيضاً مرضاة ربها.

فالسياسة هي حسن الرعاية، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع ومسئول عن رعيته، الإمام راع ومسئول عن رعيته.. -إلى آخر الحديث إلى أن قال: -.. والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها»، حتى المرأة سائسة في البيت، أمور البيت تحتاج إلى سياسة وتدبير، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾[النساء:5]، النفقة تحتاج إلى سياسة وتدبير، الكلام الذي يخرج من لسانك يحتاج إلى سياسة وتدبير، كل ذلك ثبت من حديث جابر بن عبد الله عند أبي يعلى وغيره ما يدل على أن السياسة شاملة، وأن السكوت في بعض الأوقات سياسة، والكلام في بعض الحالات سياسة يعتبر: أن قريشاً اجتمعوا وقالوا: انظروا أبلغكم يذهب إلى هذا الرجل فليكلمه ولينظر ما يرد عليه؟ فقالوا: لا نعلم إلا عتبة بن ربيعة قالوا: اذهب إليه يا أبا الوليد، فذهب أبو الوليد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (يا محمد! أأنت خير أم عبد الله ؟ انظر الآن يريد أن يقحمه أن يقول: أنا خير، ثم يعمد إلى قريش ويقول: هذا الرجل يفضل نفسه على قريش، مع أنه خير البشرية صلى الله عليه وسلم فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: أأنت خير أم عبد المطلب ؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: إن كنت ترى أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عبت، وإن كنت ترى أنك خير منهم فتكلم ولنرى ما تقول؟ يا محمد! إنك شتت شملنا، وفرقت جمعنا، وعبت آلهتنا، وفضحتنا في العرب، ولم تأتِ سخلة إلى قومها بمثل ما جئت إلى قومك، حتى إنه لم يبقَ بيننا إلا مثل صيحة الحبلى ونقوم فنتجالد ونتفانى) وهذا كلام بليغ في الحقيقة من حيث أنهم أرسلوه لما يعرفون عنه من الكلام البليغ ومن أنه له معرفة بالشعر والسحر وبالكهانة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت حتى فرغ من كلامه: (فقرأ عليه صدراً من سورة فصلت إلى أن بلغ قول الله عز وجل: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾[فصلت:13]، فقال: حسبك، ثم رجع إلى قومه، قالوا: ماذا قال لك؟ قال: والله ما فهمت من كلامه إلا أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود).

والشاهد من ذلك: أنه ليس كل كلام يقال، وأن الصمت في غاية السياسة، الصمت في بعض الحالات والكلام في بعض الحالات في غاية السياسة.

ولما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن الأنصار بعضهم تكلم، قالوا: يغفر الله لرسول الله، يعطي الأموال قريشاً وسيوفنا تقطر من دمائهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى بعض الناس تألفاً فلما سمع هذا الكلام جمعهم، قال: «ما قالتٌ بلغتني عنكم معشر الأنصار؟ قالوا: يا رسول الله، أما ذووا الرأي منا فلم يقولوا شيئاً، وأما أناس حديثة أسنانهم قالوا: كذا.. وكذا»، ونعم ما قالوا وصدقوا، فكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو شئتم لقلتم فلصدقتم، جئتنا فريداً فآويناك، وطريداً فناصرناك..» إلى آخر الحديث، وذكرهم نعمة الله عليهم، وتكلم في ذلك الكلام بما يناسبه حتى غطوا رءوسهم ولهم خنين، فكان الكلام في هذا الموضع عند الاحتياج إليه سياسة يسوس بها أصحابه ويجمع بها شملهم، ويبين لهم ما يشتتهم وأنها دنيا زائلة وأنه إنما أعطى أناساً لعاعة من الدنيا لقصد التألف.

 ألا وإن من السياسة الكرم، وبذل الأموال لمن يستطيع ذلك، فلقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي الرجل غنماً بين جبلين، كل ذلك يسوسه به من أجل أن يدخله في الإسلام، فيذهب الرجل ويقول: (أيها الناس اسلموا، فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وما هي إلا برهة ويصير الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها) وربما أعطى الرجل مائة من الإبل ويعطي هذا مائة من الإبل حتى يفنى ما عنده، ثم بعد ذلك يأتيه من يريد مجهود يريد طعاماً لا يجد له تمرة في بيته، ويقول: «أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة نأمر لك بها»، «وجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبية فقال مخرمة لولده المسور اذهب بينا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عسى أن يعطينا من هذه الأقبية، وكان لم يعطه ولم يرسل له شيئاً، فلما سمع به واستأذن المسور على رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه قباية يقول: خبأت لك هذا، خبأت لك هذا»، قال الإمام النووي رحمه الله: يتألفه ثم لما أعطاه قال: «أرضي مخرمة»، ونعم رضي، والقصد من ذلك: مسايسة الناس، فمنهم من يسايس حتى يستقيم على دين الله، ومنهم من يسايس حتى يكف شره عن خلق الله، هذه هي السياسة.

وذكر شيخ الإسلام رحمه الله: أن أبا مسلم الخولاني رحمة الله عليه دخل على معاوية رضي الله عنه، وقال: (السلام عليك أيها الأجير! قيل له: قل السلام عليك أيها الأمير، قال: السلام عليك أيها الأجير، فقال: دعوه فإن أبا مسلم يعرف ما يقول: ثم تكلم أبو مسلم: قال معاوية: دعوه، فـأبو مسلم يعرف ما يقول، نعم، فتكلم أبو مسلم فقال: إنما أنت يا أمير المؤمنين أجير، استأجرك الله على هؤلاء الأغنام، فإن أنت هنأت جرباها وعالجت مرضاها وجمعت أولاها مع أخراها أعطاك أجيرك وأكرمك من استأجرك، وإن أنت لم تعالج مرضاها ولم تهنأ جرباها ولم تجمع أولاها مع أخرها لم يعطك من استأجرك أجرك، فصدقه معاوية)، ولسياسة معاوية رضي الله عنه كان يقول: (بيني وبين الناس شعرة، إذا شددت –يعني: لا يشد ولا يرخي-).

والشاهد من ذلك: أن أمر السياسة كله يعود إلى حسن الخلق، ويعود كله إلى التعامل الحسن، ويعود كله إلى الكرم، ويعود كله أيضاً إلى العمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

فموسى عليه الصلاة والسلام ممن هو موصوف بالسياسة كما في ذلك الحديث وما من شك أن الله سبحانه أرسل إلى الأمم أخيرهم وأفضلهم وأسوسهم ومع ذلك يقول لفرعون: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾[الإسراء:102]، فالحزم في موضعه سياسة، الشدة في موضعها سياسة، واللين في موضعه سياسة، ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سيد السائسين لما رأى أولئك النفر الذين لم ينفع فيهم الكرم والإحسان وجاءوا وهم مرضى قد اجتووا المدينة، قال: (الحقوا بالذود، فلحقوا بالذود فشربوا من ألبانها وأبوالها فصحوا وسمنوا وقابلوا المعروف بالكفران، قتلوا الراعي، واستاقوا الذود وكفروا بالله ورسوله، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدركهم الناس وأتوا بهم إليه فاستمل أعينهم وجعلهم في الحرة يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا) وقال صلى الله عليه وسلم والحديث في الصحيح عن أنس، قال صلى الله عليه وسلم: «والله لو أن فاطمة بينت محمد سرقت لقطعت يديها، إنما هلك من كان قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد»، فإقامة هذه الحدود والصرامة فيها، والقيام بواجب الشرع، هذه السياسة يأمن بها الإنسان ويتعايش بها الناس في سلم: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[البقرة:179]، إن القصاص قتل للقاتل وفيه إزهاق لروحه ومع ذلك حياة للآخرين، فيرتدع الباغي، ويخاف المعتدي، ويسلم الناس من صولة المفتنين: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ[الحجرات:9]، كل ذلك مسايسة للمجتمعات حتى يتعايشون تعايشاً سلمياً على طاعة الله وكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

فتلك النداءات (التعايش السلمي) جعجعة بلا طحن، إنما التعايش السلمي حقاً يكون تحت كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإقامة الحدود والكرم والتعاون على البر والتقوى، والقيام بما أوجب الله عز وجل وبالله التوفيق.

الخطبة الثانية:

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد:

ثبت من حديث جبير رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قافلاً من حنين وعلقه الأعراب يسألونه، يقولون: أعطنا، -ومعناه: أنهم يطالبون بحقهم من الغنيمة- حتى ألجئوه إلى سمرة خطفة رداءه، قال: آتوني ردائي، والله لو كان لكم مثل هذه العضاة نعماً لقسمتها بينكم ولا تروني بخيلاً ولا جباناً ولا كذاباً»، فالسائس للناس ينبغي أن يتصف بهذه الصفات النبوية عدم الجبن، عدم البخل، عدم الكذب، وهكذا أن يعطي الناس حقوقهم وأن يستعف عما في أيديهم، فإن الإنسان إذا شعر منك الإحسان إليه كانت هذه أعظم سياسة له، أعظم سياسة للإنسان أن يشعر منك الحزم في موضعه من حيث أنك تبذل له ما أوجب الله عز وجل عليك، وتطلب منه ما أوجب الله عليه، وتعفو وتصفح: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ[النور:22]، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أتى المدينة وكان المنافقون قد امتلأت قلوبهم عليه، فكان يسايسهم حتى افتضح المنافقون وظهر مكرهم أمام الناس، ذهب ينصحهم ويعظهم ويدعوهم إلى الله فقال ابن سلول : لا تغشانا بقتارة حمارك، ومن أتاك فعلمه أيها الرجل، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مغموم ويشكو إلى بعض أصحابه لـسعد بن عبادة رضي الله عنه، قال: «ألا ترى ما صنع أبو الحباب ؟ قالوا: يا رسول الله أعفُ عنه واصفح، إن أهل هذه البحيرة أرادوا أن يسودوه، فلما قدمت.. شرق بها، فأنزل الله تصديقاً لقول سعد : ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾[البقرة:109]»، هذه سياسة الصبر أعظم سياسة، والحلم أعظم سياسة: «عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له»، نفسك التي بين جنبيك تحتاج إلى سياسة أن تسايسها وأن تصبرها على طاعة الله حتى لا تتمرد عليها، فبعض أهل الحديث: كان إذا رأى من نفسه الملل عن طلب العلم ذهب أن يأكل حلوى! من أجل أن يعود نفسه ويسلي نفسه على الاستمرار في الخير.. وهكذا أنت يا طالب العلم سايس نفسك على طاعة الله ولا تجعلها تتمرد عليك، سواء تتمرد عليك بالخروج عن السنة أو تتمرد عليك بالبعد عن العلم من أجل متاع الدنيا الزائل، ولكن سايسها وعودها على طاعة الله، وهكذا الأولاد: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع»، وكل ذلك إنما هو للتدريج والمسايسة، والخمر كان تحريمه على عدة مراحل:

المرحلة الأولى: أبان الله عز وجل ضرره، قال الله عز وجل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا[البقرة:219]، وهذا في الحقيقة بيان الإثم الذي فيه وهو تدرج إلى تحريمه.

ثم المرحلة الثانية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ[النساء:43]، وهذا في الحقيقة أيضاً أول مسايسة لتحريم الخمر.

ثم المرحلة الثالثة: قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ﴾[المائدة:90-91]، قالوا: انتهينا.

وحتى في تحريمه أيضاً مسايسة، والله سبحانه له الحكم هو الحكم وإليه الحكم وقادر أن يقول: انتهوا، بدون أن يذكر الأسباب الموجبة لضرره أو المبينة لضرره، ولكنها مسايسة بحيث أن الإنسان يترك ذلك مقتنعاً بما حصل فيه من الضرر: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ[المائدة:90]، وإذا كان (رجس) فالإنسان يقول: هذا رجس، ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ[المائدة:90]، والمؤمنون يبغضون عمل الشيطان، ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[المائدة:90]، وكل المسلمين يحبون الفلاح: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ[المائدة:91]، والناس يكرهون العداوة والبغضاء، ﴿فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ[المائدة:91]، وكلما يصد المسلم عن ذكر الله مبغوض: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ[المائدة:91]، وما جاءت كلمة: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ إلا بعد بيان تلك الأضرار للخمر كل ذلك مسايسة للبعد عن الخمر؛ لأنهم قد تعودوا عليه وصار شربه عندهم كسائر المشروبات؛ فلهذا احتاج مزيداً للمسايسة.

أيها الناس! إن أمر السياسة لا تنفصل عن الدين، وإنها في الحقيقة هي التعايش السلمي، الأدب الشرعي، لازم الأدب مع الصغير والكبير والقريب والبعيد بحسب ما أراد الله عز وجل وبما آتاك الله من فقه دينه، فإن ذلك هو السياسة والتعايش، وليس كل من أراد أن يسايس إنسان يستعمل معه الجفاء والغلظة والفضاضة لا والله! وإنما ذلك بحسبه و الغلظة إنما هي عبارة عن علاج والأصل الرفق، والفضاضة إنما هي عبارة عن علاج والأصل الرفق، والأصل الرحمة، والأصل التعاون على البر والتقوى، والأصل التآخي والتحاب، والأصل كذلك أيضاً: التناصر: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾[هود:40]، هذا الذي ينبغي أن يتسايس الناس على طاعة الله، وأنما جانب طاعة الله ينحى حتى يصير كل إنسان يسوس صاحبه، وكل إنسان يعايش صاحبه، وما خالف كتاب الله ينكر ويبعد، وتلك من السياسات التي جاء بها شرعنا وجاء بها أنبياؤنا عليهم صلوات الله وسلامه، والحمد لله رب العالمين.