نسخة الجوال
ترجمة الشيخ
الفتاوى
الصوتيات
المقالات
المكتبة العلمية
الفتاوى الصوتية المفرغة
إرسل سؤلاً
اتصل بنا
الصوتيات -> خطب ومحاضرات متنوعة
عنوان الملف رياض الجنة الدانية بثمار الثبات على السنة
تاريخ إضافة الملف 27/03/2009
عدد المشاهدات( 2792 ) عدد مرات التنزيل( 992 )

رياض الجنة الدانية بثمار الثبات على السنة

محاضرة إلى الحبشة عبر الهاتف ليلة الإثنين بتاريخ

: (22 محرم 1430هـ)

(للشيخ المحدث: أبي عبد الرحمن يحيى بن علي الحجوري -حفظه الله تعالى-)

=========================

مقدمة عبر الهاتف:

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد:

وها نحن اليوم على موعد مع شيخنا ووالدنا ومربينا..... المحدث: أبي عبد الرحمن يحيى بن علي الحجوري -حفظه الله تعالى- ورعاه من كل سوء ومكروه، ودفع عنا وعنه كيد الكائدين، وحسد الحاسدين إنه ولي ذلك والقادر عليه، محاضرة عبر الهاتف، نسأل الله المولى أن يجزي شيخنا على ما قام عليه من نصرة لدين الله عز وجل ودفاع عنه، والآن فليتفضل شيخنا مشكوراً مأجوراً.

محاضرة الشيخ يحيى حفظه الله تعالى:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾[آل عمران:102]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾[النساء:1]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾[الأحزاب:70-71].

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أيها الناس! لقاؤنا إن شاء الله معكم ومع من يسمع، عبر الهاتف في مذاكرة حول (رياض الجنة الدانية بثمار الثبات على السنة) فإنها لها ثمار عظيمة، في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم: كمثل غيث أصاب أرضاً فكان منها طائفة طيبة، وفي لفظ: (طائفة نقية) قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وأصاب أخرى أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فسقوا وزرعوا، وأصاب أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأ».

هذا الحديث أصل في هذا الموضوع وهو: أن الأرض الطبيبة لها ثمرة، ولها نبت طيب من الكلأ والعشب، فتستفيد من تلك الأرض أعداد من مخلوقات الله عز وجل من العباد من بني آدم والدواب والطيور وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله، وكذا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جاء بها من عند الله، قال الله عز وجل: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾[النجم:1-4]، التي بعث الله بها رسوله فيها هدى، وفيها علم، من تقبل هذه السنة العظيمة، وعمل بها كان كالأرض الطيبة المثمرة النافعة.

ومن ثمار السنة والعمل بها التي دل عليها هذا الحديث العظيم، من أعظم تلك الثمار التي غفل عنها كثير من الناس، والتمسوا السعادة الدنيوية والنجاة من المهلكات وسائر البليات في غيرها ولم يوفقوا لسبيل السنة حتى ينجيهم الله عز وجل، من أعظم تلك الثمار يستفيدها المتمسك بسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم هي: أن هذه السنة أمان من الهلاك -إي والله إنها أمان من الهلاك- وأن الذي لم يثبت عليها ولم يتمسك بها عرض نفسه للهلكة وهذا كلام مأخوذ من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن مشكاة نوره عليه الصلاة والسلام، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «دعوني ما تركتم إنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم، فما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أ مرتكم به فائتوا منه ما استطعتم»، وهذا نموذج عظيم يبين أسباب السلامة من الهلاك مع بيان أن أمماً هلكوا ببعدهم عن السنن: «دعوني ما تركتم، إنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم» أي: تشعباتهم، قال: «واختلافهم على أنبيائهم».

فإذا أردت أن تأمن من الهلاك في يوم يقول الله عز وجل فيه: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا﴾[الفرقان:27-29].

في ذلك اليوم أنت في أمان من الهلاك، والذين لم يتخذوا سبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم هلكى، ينطبق عليهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً فجاء الجنادب والفراش يقعن فيها وهو يذبهن عنها وأنا آخذ بحجزكم وأنتم تفلتون من يدي»، فهؤلاء قوم افتلتوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وشردوا عن هديه ولم يتمسكوا بسنته، هذا عين الهلاك في الآخرة، بل وفي الدنيا أيضاً، فإنما يحصل بالناس من المصائب والبلايا، كل ذلك بسبب افتئاتهم على ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عز من قائل: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾[الشورى:30]، وقال سبحانه: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾[الروم:41].

فاحذر على نفسك أيها المسلم من الهلاك في الدنيا والآخرة؛ بسبب بعدك عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمِّن نفسك من الهلاك بإذن الله عز وجل بذلك –أعني: بالتمسك بها-.

سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على طريقة السلف رضوان الله عليهم: أمان من أن يكلك رب العالمين إلى نفسك ما دمت لاجئاً إليه، يقول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾[النساء:115] أي: يكله الله إلى نفسه: ﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾[النساء:115]، فأمّن نفسك بإذن الله عز وجل بالسنة، هذا هو أمان المستقبل، هذا هو المستقبل الصحيح، أمِّن مستقبلك بهذا الأمان العظيم، واحذر من تلك الدعايات التي فيها تأمين المستقبل بشيء زائل وربما بحرام.

السنة أمان من الفتن، ما أكثر الفتن تموج كالليل المظلم! كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا»، بأسباب كثيرة منها: جلساء السوء، فيكون مسلماً مستقيماً تمر عليه بعض اللحظات يجالس أهل السوء فيفتن ويهلك، ومنها: مطامع الدنيا: «لكل أمة فتنة وفتنة أمتي المال»، ومنها النساء: «إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء».. وغير ذلك من الفتن، أمانك من هذه الفتن بإذن الله عز وجل: عض على السنة بالنواجذ، أثبت عليها، وادعوا سبحانه وتعالى أن يثبتك عليها وألا يزيغك عنها طرفة عين خشية أن تقع في الهلاك، فإن هذا وعد محقق من الله سبحانه وتعالى لمن خالف رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يأخذ سنته ولم يهتدِ بهديه، أنه يفتن ويعذب، قال الله عز وجل: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾[النور:63].

والفتنة عامة، - المقصود: جنس الفتنة- أي: أن تصيبهم فتن كثيرة يقع في عدة فتن ويعرض نفسه للعذاب الأليم في الدنيا والآخرة؛ بسبب مخالفته لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمن نفسك بهذا الأمان العظيم، سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أمان من الفتن، هذا أبانه الله وأبانه رسوله، الذي يريد الأمان يسلك هذا الطريق –طريق الأمان-.

تدري يا أخي أين طريق الجنة؟ طريقها القرآن ثم السنة، أمان من عذاب الله وأمان من الفتن، يؤيد ذلك ما في الصحيح عن حذيفة رضي الله عنه، قال: «كان الناس يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، قلت: يا رسول الله: إنا كنا في جاهلية وشر فجاء الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟» هو متخوف أن يكون بعد ذلك الخير شر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «.. نعم، قال: قالت، وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن» أي: ملوث مشوش ما هو خير صافي «قلت: وما دخنه؟ قال: أناس يستنون بغير سنتي ويهتدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر..» على ما فيهم من التخليط إلا أن هذا دخن وغير، وهذا ضرر وغير صفاء وغير وضوح، غير مرضي هذا الفعل منهم.. الحديث إلى آخره.

وفي جامع الترمذي عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: «وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون..»، وهذا شأن الصالحين عند المواعظ، تجلو قلوبهم وتدمع عيونهم «.. قلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد..» أي: ما دام من المسلمين «فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً»، اختلاف كثير، هرج ومرج فتن والتباس الحق بالباطل، والمحق بالمبطل.. وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله، مما أشار إليه هذا الحديث وغيره «اختلافاً كثيراً»، ثم أرشدهم إلى الأمان من هذه الفتنة وهذا الخلاف، قال: «فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة» ماذا تكون النتيجة إذا كانت بدعة ومخالفة للسنة؟ قال: «.. وكل بدعة ضلالة»، النتيجة فيمن خالف السنة سيقع في البدع، وإذا لـجّ في البدع ووقع فيها وتورط فيها سلك مسلك الضلالة، فأمان من الضلال وأمان من التيه، سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمان لك من الضلال، وأمان لك من التيه ومن الضياع في هذه الحياة الدنيا.

سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أمان لك أيها المسلم.. أمان لك من السفه في الأقوال والأفعال؛ بحيث تكون أفعالك رشيدة موافقة للحق، مرد الناس إليها، ومن انتقدها أخطأ، ومن بررها انتصر؛ وذلك نصر السنة من الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾[غافر:51]، فما دام من المؤمنين العاضين على السنة بالنواجذ متمسكين بها منصور بنصر الله عز وجل، فهي أمان لك من السفه بينما إذا تفلت عن السنة تركت السنة وابتعدت عنها هذا الفاعل ومن المبتعد عمداً عن السنن سفه وغير رشد، هو سفه كونه خالف في الأقوال أو في الأفعال أو في أي شيء من السنة يكون سفهاً في ذلك الفعل، والدليل على ذلك هو الذي نبهنا على هذا الموضوع حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه، وحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه عند الترمذي و أحمد وغيرهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا كعب بن عجرة أعاذك الله من إمارة السفهاء، قالوا: يا رسول الله! وما إمارة السفهاء؟ قال: أمراء يستنون بغير سنتي ويهتدون بغير هديي فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه وليس بوارد عليّ الحوض، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه وهو وارد عليّ الحوض، يا كعب بن عجرة ! الصوم جنة والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار»، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والصلاة نور، يا كعب بن عجرة ! إنه لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت، النار أولى به، يا كعب بن عجرة ! الناس غاديان فمبتاع نفسه فمعتقها، أو مبتاع نفسه فموبقها..».

هذا حديث عظيم، فيه بيان أن من تعمد مخالفة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم سلك مسلك السفهاء، والله عز وجل يقول: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾[البقرة:130]، وملة إبراهيم: هي ملة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾[آل عمران:68]، فأولى الناس بإبراهيم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، أولئك الذين اتبعوه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون من هذه الأمة ومن غيرها، كل من كان مؤمناً فهو أولى الناس بإبراهيم، وذروة ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾[الحج:78].

سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمان لك من الضياع وهي فلاح لك في هذه الدنيا وفوز لك في الدنيا والآخرة، وتأمل قول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾[النور:52].

الناس الآن يتهافتون ويتقادعون، ويتقاتلون ويتهالكون على ماذا؟ قالوا: فلان فاز في الكأس! والآخر فاز في الانتخابات! والآخر فاز في لعبة كذا! والآخر فاز في تجارة كذا! وهذا في الحقيقة لهوٌ ولعب، وغفلة وقسوة: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ..﴾[الحديد:20] الآيات، أما الفوز حقيقياً: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾[آل عمران:185]، وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم والثبات على سنته فوز عظيم بنص الآية المذكورة وهي هداية، لا هداية لأحد البتة إلا عن طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن التمس هداية في غير طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم شأنه كمن يلتمس الماء في الرمضاء أو أشد من ذلك؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾[النور:54]، تريد الهداية حقاً تسعى فيها تستنير بها؟ فعليك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وطاعته، وما طاعته إلا أخذ سنته، طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما نهى عنه وزجر، ما طاعته إلا بسنته والتأسي به، الأسوة الحسنة التي يلتمسها كل شريف نزيه من أن تكون أخلاقه نزيهة، وأعماله نزيهة، وأقواله شريفة عظيمة، مصاناً، ديناً، كل ذلك.. يتضمن ذلك كله سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أخذها وتمسك بها كان ذروة في الأقوال والأعمال والأفعال بإذن الله عز وجل؛ لأنها هي الأسوة الحسنة.

قال الله عز وجل: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾[الأحزاب:21]، وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾[الأحزاب:36]، ومعنى ذلك: على أنه إن لم يطع رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ سنته ليس له إلا الضلال وليس له رشد ولا فوز ولا فلاح أسوة طيبة ولا أخلاق حميدة مهما تكلف ذلك ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾.

وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ..﴾[النساء:60-62] انظر الآن مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتحاكم إلى غير شرعه من أسباب المصائب، وأسباب المصائب بما جنت الأيدي: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾[النساء:62-63].. إلى آخر الآيات إلى قوله: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾[النساء:65].

ويقول الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾[الأعراف:158]، أنت تريد الهداية اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم اسلك مسلكه، إياك والافتئات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنك تضل، وقال: ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[الأعراف:157].

سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيرة لك أيها المسلم، بغير سنة أنت أعمى ما عندك بصيرة في كل ما تأتي وتذر.. أنت أعمى؛ لذا يقول الله سبحانه وتعالى لنبيه آمراً له أن يقول للعباد: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾[يوسف:108]، فرسول الله صلى الله عليه وسلم سالك سبيلاً بأمر الله ووحي الله عز وجل، ومن تبعه كذلك، سالك سبيلاً بأمر الله وهدى من الله عز وجل آمنٌ في ذلك من العمى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾[القصص:50]، الضُّلاَّل كثير سواء كان في ضلال الطرق أو في الضلال المعنوي، ولكن ليس هناك أضل ولا أبعد ولا أشد تيهاً ممن اتبع هواه بغير هدى من الله، ما لم يستجب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهو ضال أعمى، دليل ذلك وبرهانه: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ﴾[طه:123] أي: أنه ما زال سالكاً الجادة، ما يضل ما يتيه ﴿فَلا يَضِلُّ﴾ أي: في الدنيا، ﴿وَلا يَشْقَى﴾[طه:123] أي: في الآخرة؛ بل وفي الدنيا أيضاً لا يشقى بإذن الله، فهو يعتبر من المكرمين من ربه بطاعة الله التي أكرمه الله بها.

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾[طه:124] والسنة ذكر، وإذا أفردت السنة شملت القرآن، وإذا قيل تمسك بالقرآن شمل السنة، هكذا يقول الشافعي وغيره من أهل العلم نعم، ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾[طه:124-126].

سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تزكي بها نفسك، إذا أردت أن تتزكى وتزكي أعمالك وأقوالك بحيث تصير زاكية نقية طاهرة مبجلة معظمة محبوبة، مالك طريق إلا السنة التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله عز وجل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾[ الشمس:9-10]، وتزكيتها بما تقدم ذكره من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾[الجمعة:2]، والحكمة هي السنة، إذا اقترنت بالكتاب فالمقصود بها السنة عند أهل العلم كما أفرد الإمام الشافعي في ذلك يعني: كلاماً في رسالته الماتعة، جعل كلاماً في بيان: أن الحكمة إذا اقترنت بالكتاب فهي السنة.

فكان من تزكية النبي صلى الله عليه وسلم تعليم العباد، نشر العلم في أوساطهم ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾[الجمعة:2] يعني: القرآن، ويعلمهم السنة.

﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾[الجمعة:2]، أيش الذي أخرجهم من ذلك الضلال؟ أكل الميتة والزنى والسرقة وقطع الطريق وعقوق الوالدين والفجور وأنواع المهلكات من الشركيات والبدع والخرافات، أيش الذي أخرجهم؟ أخرجهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، زكاهم بأمر من الله عز وجل: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾[الجمعة:2]، ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾[التوبة:128-129]، إن تولوا ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ﴾[الشورى:48].

سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ضمان للجنة، من أخذها ومات عليها، هنيئاً له والله، من مات على السنة مات على طريقة مستقيمة وعلى صراط مستقيم وهو يثبت إن شاء الله على الصراط المستقيم، ويُثبت في قبره: «يُسأل فيقال: من ربك؟.. وما دينك؟.. ومن نبيك؟..»، فيوفق بسبب السنة والعمل بها: «الله ربي ومحمد نبيي والإسلام ديني»، والذي لم يأخذ السنة ولم يعمل بها ولم يرفع بها رأساً يكون جوابه: «هاه! هاه لا أدري سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته»، عبارة عن مقلد ما رفع بالعلم رأساً ولا اعتنى بدين الله الحق ولا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي أمان لك من عذاب الله، والدليل على ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى»، وقوله: «من أطاعني» دليل شامل، أي: من أطاعني بالإسلام، وأطاعني بالتمسك بالسنة، فكلما كان الإنسان لله أطوع كان أحب إلى الله عز وجل وإن كان المسلمون يتفاوتون، أحب إلى الله عز وجل على قدر طاعته لرسوله صلى الله عليه وسلم.

سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم سبب لمحبة الله لك، وإذا أحبك الله دافع عنك وأكرمك وأعزك، الإنسان إذا أحب إنساناً إنسان شريف ملك أو كذلك عالم أو غير ذلك، رأى تلك المحبة في حقه شيئاً عظيماً أن يحبه الملك الفلاني، أو أن يحبه الإمام الفلاني، لكن محبة الله سبحانه وتعالى أعظم وأجل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾[الشورى:11]، فإذا أرضيته أرضى عنك عباده، وإذا أسخطته أسخط عليك عباده: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾[هود:56]، يعادي من عاداك ويوالي من والاك إذا كان عملك من المسببات لمحبة الله سبحانه فأحبك، يأمر أهل السماء فيحبونك، ويوحى إلى أهل الأرض فيحبونك: ﴿لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾[الروم:4]، نعم.

تستفد محبة رب العالمين سبحانه! بثباتك على السنة وعملك بها، بغير إفراط ولا تفريط، ولا جزاف ولا غلو ولا تقصير بقدر ما تستطيع: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ[التغابن:16]، قال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾[آل عمران:31]، أنت تريد أن يحبك الله اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا تبالي يا أخي إذا أحبك رب العالمين، فإن أعداء الله لم يرضوا عن عباده المؤمنين لا من أنبياء ولا من غيرهم: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾[البقرة:87]، قتلوا أنبياء، وقتلوا صالحين، وكذبوا آخرين: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾[الأنعام:34]، الله نبأ نبيه: أن الذين كانوا قبله حصل لهم ما قد ذكر في هذه الآية وآيات أُخر من الأذى: «يرحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من ذلك فصبر»، وإنما الشأن كله أن تسعى في محبة الله سبحانه وتعالى لك بطاعتك لله ولرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهذا هو سبيلها: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾[آل عمران:31]، وهكذا ذنوبك التي أنقضت ظهرك، ذنوبك الكثيرة، اتباعك لرسول الله صلى الله عليه وسلم يكفرها، فالتمسك بالسنة من مكفرات الذنوب وأقل الناس ذنوباً أهل السنة حقاً الذين يتمسكون برسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه الآية: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾[آل عمران:31].

قال الله سبحانه: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾[طه:82]، ولا هداية كما تقدم إلا بالسنة فمغفرة ذنوبك منوطة بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والعمل بها، عليك بها أيها المسلم، فإنها رحمة عليك، السنة رحمة بالعباد، السنة رحمة في الدنيا على أصحابها وكذا في الآخرة، يقول الله سبحانه: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾[الأعراف:203].

الشاهد: أن اتباع ما يوحى هدى يعتبر ورحمة، فإياك أن تحرم من هذه الرحمة، رحمة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاء به، ارحم نفسك أيها المسلم بهذا الخير العظيم، واخرجها من الهلكة واخرجها من الضلال، واخرجها من السفه، وزكها بطاعة الله وكن على بصيرة وعلى نور بها: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾[المائدة:15-16]، وهذا النور شامل للقرآن والسنة، فلا يستطيع أحد أن يقول النور هو القرآن فقط دون السنة، هذا قد أطفأ نوره، من رد السنة أطفأ نوره، يوشك أن يكون: «.. يتكئ أحدكم على أريكته شبعان ريان يقول: ما جاءني عن الله عملت به، ألا وإنما أوتيته وحي يوحى»، كذا قال النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إني أوتيت القرآن ومثله معه»، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى»، وفي لفظ: «نجا»، وفي لفظ «أفلح»، عدة ألفاظ «.. ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك».

وهكذا أيضاً صراط مستقيم ومحجة بيضاء قد ثبت عن أبي الدرداء وجماعة بمجموع الطرق عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تركتكم على البيضاء..» أي: شيء واضح جلي، لا التباس فيه «ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك»، الزيغ عن السنة هلكة، نعوذ بالله من الهلاك ومن أسبابه، نعم، الزيغ عن السنة هلكة: «تركتم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك».

فهذا الذي ينبغي لكل مسلم أن يسلكه، وأن يستمسك به: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾[الزخرف:43]، وقال الله عز وجل: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾[الأنعام:153]، أنت أيها المسلم في مفترق طرق، ما دمت على قيد الحياة فأنت مفترق طرق، فيحتاج أن تتبع السبيل المستقيم والصراط القويم، حتى تسلم من تلك التشعبات والتفرقات وتبقى على الكتاب والسنة حتى تلقَ الله على دين قويم، على شريعة كاملة تامة: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾[الجاثية:18-19]، والحمد لله رب العالمين.