نسخة الجوال
ترجمة الشيخ
الفتاوى
الصوتيات
المقالات
المكتبة العلمية
الفتاوى الصوتية المفرغة
إرسل سؤلاً
اتصل بنا
الصوتيات -> خطب ومحاضرات متنوعة
عنوان الملف اعتزال المبطلين من أهم مقاصد الدين
تاريخ إضافة الملف 12/07/2009
عدد المشاهدات( 5631 ) عدد مرات التنزيل( 1697 )

 

اعتزال المبطلين من أهم مقاصد الدين
خطبة جمعة:
(21/ربيع الثاني/1427هـ)
(للشيخ المحدث: أبي عبد الرحمن يحيى بن علي الحجوري -حفظه الله تعالى-)
=======================
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ))[آل عمران:102]، ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا))[النساء:1]،((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا))[الأحزاب:70-71].
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أيها الناس! يقول الله عز وجل في كتابه العزيز: ((لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا * وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا))[النساء:114-115]، ويقول سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: ((وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا))[الكهف:28].
في الآية الأولى من هاتين الآيتين أن الخير قليل في الناس إلا من استثنى الله سبحانه وتعالى بقوله: ((إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ))[النساء:114]، وما عدى ذلك من الناس فلا خير فيهم، وهم الأكثرون، قال الله عز وجل: ((وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ))[ص:24]، فالأكثرون لا خير فيهم: ((وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ))[يوسف:103]، ((وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ))[الأعراف:187]، والقلة فيهم خير، وإذا كان الأمر كذلك، فإنه يجب على كل مسلم أن يعتزل الكثرة الشريرة وأن يلزم القلة الخيرة، وأن يصبر نفسه على ذلك، فإن هذا الأمر شاق وقد حفت الجنة بالمكاره كما أبان ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي القرآن ما تلونا: ((وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ))[الكهف:28]، وحذر الله عز وجل من أن تمتد الأعين إلى من سواهم: ((وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ))[الكهف:28]، وأن مجاوزة الأعين عن هؤلاء ابتغاء الحياة الدنيا وابتغاء عرض الدنيا، بل أوجب الله عز وجل الإعراض عن قليل الخير: ((فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ))[النجم:29-30]، قد يكون ذلك الإنسان عنده خير من حيث صلة الرحم ومن حيث بعض الأعمال أو الأخلاق، لكنها لا تساوي شيئاً إذا أعرض عن ذكر الله وتولى عن ذكر الله فوجب اعتزاله.
أيها الناس! إن أمر الناس مرج، صار مريجاً ومختلفاً وملتبساً على كثير من الناس، فالواجب على المسلم أن يتخير من يجالس وأن يعتزل من رأى فيه أو لمس أو لاحظ منه خلاف الخير، وإن هذا لهو دعوة الأنبياء، قامت دعوة الأنبياء والمرسلين على اعتزال المعاصي والشركيات وأهلها، وعلى مخالفة الناس بحدود الخير والحق، ومن أبى الحق أعرض عنه، فلابد من تفصيل في أمر الخلطة والاعتزال وليس الأمر على حد سواء: ((وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ))[الأنبياء:87-88]، ذهب مغاضباً واعتزل دعوة قومه ولم يصبر عليهم وقد أمره الله بذلك فعاتبه الله بما قد ذكره في كتابه عز وجل، ولكن أنبياء الله وهكذا سائر من سلك مسلكهم يعتزلون فجور الناس ومعاصي الناس، ويعتزلون من دعا أو أقر ذلك أو استمر عليه، فهذا نبي الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام يدعو أباه دعوة بليغة إلى الإسلام وإلى التوحيد، فيقول: ((يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا * قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا * وَأَعْتَزِلُكُمْ))[مريم:42-48]، ليس معناه أن والده أثر عليه بدعوته أو أنه تابعه على ما يقول، ولكن اعتزل ما هو فيه من الفتنة، لما رأى منه الإعراض عن الحق، وهذا الاعتزال سماه الله عبادة: ((وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ))[مريم:48] أي: ما تعبدون: ((وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا * فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ))[مريم:48-49]، اعتزلهم واعتزل عبادتهم أثنى الله عليه، ولا يرضى الله إلا ما كان محبوباً إليه وما كان عبادة له: ((فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا))[مريم:49]، اعتزل أباه فأكرمه الله بأولاد صالحين، بدل ذلك الأب المعرض أخلفه الله ويسر له جليساً صالحاً وأكرمه بذلك، فاعتزال أهل الباطل سبب للكرامة، وإذا اعتزلك مبطل من المبطلين عوضك الله بخير منه كما عوض الله نبيه إبراهيم بخير من أبيه؛ بعد أن بذل وسعه في أن يكون جليساً صالحاً، فأبى الله له إلا ذلك الشر والاستمرار عليه حتى مات على ذلك وصار من أهل النار، وهكذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤدب بالاعتزال أصحابه من نسائه وغير نسائه، فيعتزلهم تأديباً لهم وتهذيباً لهم؛ اعتزل نساءه شهراً، لما حصل من نسائه عليهن رضوان الله بعض ما أغضبه اعتزل ذلك، وصار هذا الاعتزال فيه تأديب لهن بحيث أنه ما انتهى الشهر إلا وقد استبطأنه: {يا رسول الله الشهر ثلاثون؟ قال: والشهر تسع وعشرون}.
واعتزل كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع عليهم رضوان الله حين تخلفوا عن غزوة تبوك اعتزلهم وأمر الناس أن يعتزلوهم، بل أمر نساءهم باعتزالهم تأديباً، فاعتزال صاحب الباطل فيه درس له مفيد، على ذلك قامت دعوة المرسلين: ((فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا))[البقرة:137]، ومعنى ذلك: على أن الذي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الحق والهداية فيه وهذا أمر واضح، وأما إن لم يؤمنوا بذلك وأعرضوا فالله سيكفيه شرهم.
نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام صار اعتزاله لأولئك الفسقة من بني إسرائيل ألم عليهم حتى ذهبوا يلتمسون له التهم تألماً من صنيعه ومن اعتزاله لما هم عليه، فقد كان حيياً ويعتزلهم ويذهب يغتسل وحده، وهم يعتزلون بحقف بعضهم مع بعض عراة، قالوا: ما يعتزلهم وينفرد عنهم إلا أنه آذر أي منتفخ الخصية، فلما كان يوماً من الأيام ذهب يغتسل وهم يغتسلون عراة، ووضع ثوبه على الحجر، ففر الحجر بثوب موسى عليه الصلاة والسلام، حتى وقف على بني إسرائيل وهو يتبعه ويقول: ثوبي حجر.. ثوبي حجر، لكن الله أراد أن يكبت أولئك من بني إسرائيل المؤذين لنبي من أنبياء الله عز وجل، فلما رأوه رأوه سليماً، وهذا معنى قول الله سبحانه: ((لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا))[الأحزاب:69]، فاعتزال أهل الباطل لا شك أنه تأديب لهم.
يوسف عليه الصلاة والسلام اعتزل تلك النسوة وبسبب ذلك الاعتزال حصل له الأذى من النسوة: ((مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ))[يوسف:23-24]، وما زلن يدبرن له المكايد فنجاه الله: ((وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ))[يوسف:33-34]، وفي نهاية الأمر يعترفن بأنهن ظلمنه، وتقول تلك المرأة: ((الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ))[يوسف:51-52].
اعتزال الباطل فيه عز وفيه شرف وفيه مكرمة، الله سبحانه وتعالى قد أمر بأن يكون الخلطاء على حدود ما يكونون فيه على الطاعة، أما إن خرجوا عن الطاعة فالواجب البعد: ((وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ))[الأنعام:68]، إذا أردت أن تنجو بدينك فعليك باعتزال الباطل وأهل الباطل، البعد عن الباطل، عقبة بن عامر رضي الله عنه يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {يا رسول الله ما النجاة؟ قال: امسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك}، دله على سبب عظيم من أسباب النجاة أنه يمسك لسانه ويبكي على خطيئته ويعتزل الناس، الذي يعتزل شرور الناس يعتبر أفضل الناس ويعتزل أهل الباطل، ففي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: {أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه رجل فقال: يا رسول الله من أفضل الناس؟ قال: مؤمن مجاهد في سبيل الله بنفسه وماله، قال: ثم من؟ قال: رجل في شعب من الشعاب يعتزل الناس يعبد ربه}، هذا هو الإسلام أن لا ينجرف الشخص مع الباطل، فإن هذا الانجراف مع الباطل يدل على ضعف إيماني عنده، أما المؤمنون فإنهم يعتزلون الباطل وأهل الباطل إلا بقدر ما ينتفع به المسلمون منهم، وقد أثنى الله سبحانه وتعالى على أهل الكهف حين رأوا قومهم على باطل ففروا وتركوهم وما رجعوا إلى قومهم حتى حصل الفرج من الله سبحانه وتعالى: ((هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا * وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا))[الكهف:15-16]، وفعلاً هيأ الله سبحانه وتعالى لهم من أمرهم مرفقاً وجعل بهم الرفق وسخر الشمس في خدمتهم: ((وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ))[الكهف:17]، وسخر الكلب لحمايتهم، ومكثوا ثلاثمائة سنة وتسع سنين والله سبحانه وتعالى كان بهم رفيقاً ويحميهم حتى من سائر ما يضرهم من ضربات الشمس، إنها عناية الله سبحانه وتعالى لمن اعتزل الباطل، هذا هو حسن الإسلام، كما في مرسل زين العابدين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من حسن إسلام المرء تركه على ما يعنيه}، اقبل على شأنك واعتزل الفتن، وهذه العبادة التي صاحبها يكتسب الأجور الكثيرة: {العبادة في الهرج كهجرة إلي}، كذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أن تمرج عهود الناس وتقل أماناتهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: {يوشك أن يكون زمان يكون فيه أناس مرجت عهودهم وقلت أماناتهم واشتبكوا فصاروا هكذا، قالوا: يا رسول الله! ما تأمرنا؟ قال: تأخذون أمر خاصتكم وتدعون أمر عامتكم وتأخذون ما تعرفون وتدعون ما تنكرون}، فأرشدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عند مروج الأمانات أن الإنسان يقبل على شأنه وعلى الشيء المعروف المدلل عليه، وقد أبان رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الحثالة لا يباليهم الله بالاً، كما في حديث مرداس الأسلمي رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: {يذهب الصالحون الأول فالأول، وتبقى حثالة كحثالة الشعير أو التمر لا يباليهم الله بالاً}، قال بعض أهل العلم: إذا كان لا يباليهم الله بالاً وهي حثالة ليس لها ما يفيد، فهذه الذي لا يفيد ينبغي اعتزاله والبعد عنه، إلا في حدود ما ينتفع به، وإذا كان حريصاً على الانتفاع هو الذي يأتي يبحث عن الانتفاع ويبحث عن الخير ويستفيد، وإن أعرض أعرض الله عنه، وقد قامت الحجة بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لئلا يكون للناس على الله حجة إلا الذين ظلموا منهم بالكتاب وبالسنة، وبلغ الأمر منتهاه ولله الحمد في إقامة الحجة على العباد.
فاحرص على نفسك ولا تنهمر مع أهل الباطل ومجاراتهم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في الصحيحين عن حذيفة حين قال حذيفة: {يا رسول الله! أبعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها، قال: يا رسول الله ما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: اعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك}، والله لأن يبقى الإنسان في شعب من الشعاب، أو شعب جبل من الجبال وهو يقيم دينه خير من أن يبقى مع زيد ومع عمرو ومع فلان ومع علان، كل واحد يأخذ من دينه شيئاً، ففي صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتتبع به شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن}؛ يشرب من ألبانها ويأكل من لحومها ويرتزق من رزق الله سبحانه وتعالى ودينه سالم، دينه منزه عن الفتن، هي السعادة احرص عليها، فإن السعادة تنفك عنك بقدر ما يذهب دينك، بقدر ما يتفلت عنك دينك تتفلت عنك السعادة، قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث المقداد بن الأسود رضي الله عنه عند أبي داود بسند جيد: {إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن ولمن ابتلي فصبر فواها}، إن اعتزال الشخص المسلم المحافظ على دينه عن أهل الباطل يسلمه الحرج ويسلمه ما يضره في جسمه وفي دينه وفي دنياه، لما دل عليه حديث أبي موسى في الصحيحين: {مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة}، مجالسة هذا مغنم، ونافخ الكير يجب اعتزاله: {ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحاً منتنة}، الاعتزال عن الباطل عباد الله دين عبادة، اقبل على شأنك، على صيامك وقيامك وطلبك للعلم، وهذا الاعتزال فيه إغاظة لكل مبطل؛ للشيطان، ومن تسلط عليه الشيطان، ولا يعني ذلك أنك ما تخالط الناس في حدود الحق، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: {من خالط الناس وصبر على أذاهم خير ممن لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم}، لكن هدي المرسلين وطريقة السلف الصالحين مخالطة الناس في حدود الحق، فإذا حصل خلاف ذلك انفردوا بأنفسهم ودعوا إلى الله سبحانه وتعالى من أتاهم ومن استفاد منهم وبلغوا الحق إلى أهله، ومن أقبل على ذلك أقبل الله عليه، ومن أعرض عن ذلك أعرض الله عنه: ((فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا))[النجم:29]، إبراهيم عليه الصلاة والسلام أمة: ((إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ))[النحل:120]، وأخبر الله عز وجل أنه وفى، قال: ((وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى))[النجم:37]، وكل ذلك بما قام به من الدعوة الصحيحة الصريحة النافعة لقومه والصدع بالحق على مملكتهم وعلى كبرائهم واعتزال أولئك إلى طاعة الله؛ اعتزل أباه واعتزل أيضاً قومه: ((وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ))[مريم:48]، بل وبخهم على فعلهم ذلك: ((أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ * قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ))[الأنبياء:67-70]، ((وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ))[الصافات:99-101]، كل ذلك اعتزال للفتنة واعتزال ما قومه عليه، والله لو أن رسول وأنبياء الله لم يعتزلوا قومهم ومنكرات قومهم ما وصلت الدعوة إلى المسلمين هذا المستوى، ولكن دعوهم ومن أعرض عنهم اعتزلوه، ومن أقبل عليهم دعوه وأدبوه وهذبوه حتى يكون متخلصاً من الشركيات والبدع والخرافات، بل رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤدبهم حتى على ما يخرج من ألسنتهم من الكلمات، فضلاً على العقيدة، فضلاً كذلك عما يحصل مما هو أكبر من ذلك.
فيا أيها الناس! أمر العزلة أمر عظيم وبحدوده الشريعة، أمر عظيم اعتزال الباطل، اعتزال المنكرات، لا تفرح بمخالطة الناس وأنك صرت تعرف فلاناً وفلاناً وفلان يعرفك، لو لم يعرفك أحد وأنت تقي مختفي معتزل عن الناس فإن الله يحبك، روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن الله يحب العبد التقي الخفي الغني}، ابتلي كثير من الناس بمحبة المخالطات لفلان وعلان وحتى وإن كانوا ما يبالون به ولا يعبئون به ولا يقبلون منه ولا يستفيدون منه ويرجم بنفسه عليهم من مكان إلى آخر ربما، وهو بحاجة أن يحافظ على دينه وعلى وقته، فإن هذا الوقت رأسه ماله، ومن أراد الخير منك أعطيته ومن أراد الخير عرفه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: {إن لهذا الخير خزائن ولتلك الخزائن أبواب، فطوبى لمن كان مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر، وويل لمن كان مغلاقاً للخير مفتاحاً للشر}، وكونك تفتح الخير بفعلك وبقولك وببعدك وليس بالفعل أو القول فقط، حتى ببعدك عن الشر يكون مفتاحاً للخير.
الخطبة الثانية:
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فإن الاعتزال لأهل الباطل أمر لابد منه، يؤيد ذلك قول الله عز وجل: ((الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ))[النور:3]، ولما قال مرثد: {يا رسول الله أنكح عناقاً وكانت امرأة بغية، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزلت هذه الآيات في تحريم ذلك}، كل ذلك مما يدل على التميز وعلى اعتزال الباطل وأهل الباطل، وهكذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كما في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: {إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء}، وهذا أمر باعتزال الفتنة والبعد عن الفتنة، ليس معناه فاتق النساء باعتبار أنك تترك ما أحل الله، ولكن ابتعد عما كان فيه الفتنة، وكان نساء النبي صلى الله عليه وسلم ونساء الصحابة إذا صلين خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرفعن رءوسهن حتى يرفع الصحابة، كل ذلك اعتزال من الجميع للفتنة، وقال: {لا يدخلن أحد من هذا الباب فما دخل من الرجال منها أحد}، كان ابن عمر يتوقاه.
اعتزال الفتن وأهل الفتن أمر مطلوب وكل بحسبه، وما شرعت الهجرة من بلاد الكفار إلى بلاد المسلمين إلا من أجل أن المسلم يعتزل الفتنة، وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: {أن ذلك الرجل الذي أراد أن يتوب وبعد أن قتل تسعة وتسعين نفساً أزهقها سئل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب، قال: هل له من توبة؟ قال: لا، فقتله وكمل به المائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على عالم، قال: هل له من توبة، قال: نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة؟ اذهب إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناساً يعبدون الله فاعبد الله معهم}، ونعمة الفتوى خلص الله بها ذلك الرجل من فتنة عريضة، ودله على اعتزال أولئك الأشرار الذين كان في أوساطهم، فتوفاه الله عز وجل على الاستقامة، وتوفاه على التوبة: {وقبضته ملائكة الرحمة}.. الحديث.
إن اعتزال أهل الفتن وبلد الفتن وأهل السوء وأهل المخالفات قامت على ذلك الشريعة، وإن من يدعو الناس إلى أن يكونوا مع الناس ولا مفر لهم عن المعاصي هذه دعوة جاهلية، الذي يقول: كونوا مع الشعب على ما يكون الشعوب عليه، فإن هذه شعوبكم وليس لكم مفر مما هم عليه، فجاروا المجتمع وسيروا على ما يسير المجتمع هذه دعوة جاهلية، ومن أجل ذلك أوذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو أنه أدهن معهم لما قاموا عليه تلك الثورة العظيمة وحاولوا قتله مرة بعد مرة: ((قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ))[الكافرون:1-6]، ولما جاء ذلك المشرك يريد أن يحاور رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يقربه منهم ومن دعوتهم ومن أفكارهم الشركية تركه حتى انتهى، ثم قرأ عليه صدراً من سورة فصلت، حتى بلغ قول الله عز وجل: ((فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ * إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ))[فصلت:14].. الآيات، قال: حسبك.. حسبك.
الشاهد من هذا: أنه ألم وتأديب لمن لكل من أعرض عن الحق أن يعرض عنه وأن يعتزل، وهذا مقصد شرعي نبيل لا يتأدب الأمة إلا به، أما أن يكون الإنسان ضالاً إما يهودياً وإما نصرانياً وإما اشتراكياً وإما بعثياً وما على ما عليه من هذه الأباطيل من بدع المسلمين وشرور المسلمين، ثم ما زال يتميع الدين وأن يسمى بالحوار والمقاربة بين هذا وبين هذا وكل على ما هو عليه هذه دعوى باطلة مخالفة للكتاب والسنة: ((ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ))[الجاثية:18]، الله أمر نبيه عليه الصلاة والسلام أن يعتزل أهواءهم وألا يرفع لها قدراً: ((إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ))[الجاثية:19]، ((شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ))[الشورى:13]، ما الذي كبر عليهم؟ هل كبرت عليهم أجسام أولئك، كبر عليهم مال أولئك؟ أبداً، كبر على المشركين دعوتهم إلى الحق والتميز بالحق والرضا بالحق: ((فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ))[فاطر:8].
التميز واعتزال الباطل وأهل الباطل لا يتأدب الأمة إلا بذلك إلا في حدود دعوتهم وتعليمهم وتأديبهم، فإن هذه الدعوة سائرة الآن في مجتمعات المسلمين، سواء كانت تمييع المسلمين وتفلت المسلمين إلى أفكار الكفار أو ما يسمونه بالحوار، وهم في الحقيقة نازلون المسلمين ويتنازلون عند أقدام الكافرين، سواء تلك الرحلات التي يذهبون إلى الدينمارك من أجل ما يسمونه بالحوار.
يا أيها الفسقة ممن يدعي العلم! إنكم أهنتم أنفسكم وأهنتم الإسلام بما تسمونه بالحوار، إن اليهود والنصارى أحقر من أن ترحلوا إليهم عند أقدامهم يمنون عليكم بالأموال ويمنون عليكم بالعطايا، وتنازلون الإسلام والمسلمين إلى ما يقررونه عليكم مما يلقونه عليكم من الإلقاءات أن هذا هو الحوار، حوار رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ))[آل عمران:64]، حوار رسول الله صلى الله عليه وسلم لأولئك الكفار: {أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن أبيت فإنما عليك إثم الأريسيين}، حوار رسول الله صلى الله عليه وسلم للكفار والمشركين أنه عندما دعا مسيلمة ثم قال له: {إن أدبرت ليعقرنك الله}، حوار رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي ربى عليه أصحابه أن جعفراً يحاور النجاشي ويقرأ عليه صدراً من سورة: ((كهيعص))[مريم:1]، فلما كان هذا هو الحق قال النجاشي: والله ما جاوز عيسى مثل هذا وأخذ شيئاً يسيراً فقال: ما جاوز بأكثر من مثل هذا، يعني: بما في القرآن وما في السنة، فهؤلاء فسقة، على من تغررون بهذا الكلام على من تلبسون في هذا الكلام؟ أن هذا يعتبر حواراً حوار أديان! يا أخي هذا دين إسلام: ((إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ))[آل عمران:19]، ((وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ * كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ))[آل عمران:85-86] إلا أن يشاء الله سبحانه وتعالى.
فهؤلاء مخططاتهم وأموالهم ينفقونها ليصدوا عن سبيل الله، ونرجو أن يكون ذلك كما أخبر الله سبحانه وتعالى: ((فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ))[الأنفال:36]، أذيال الكفار كلها اليهودية والنصرانية والبوذية والهندوسية وسائر الأديان كلها باطلة: ((وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا))[المائدة:48]، هذا في زمنهم شرعتهم، أما بعد بعثة رسول الله فإن الله عز وجل يلغيه بهذا الدين، قال النبي عليه الصلاة والسلام: {والذي نفسي بيده لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا كان من أهل النار}، فعلى هذا فهذه الدعوات التي يقيمونها وعلى مسمع ومرأى من المسلمين دون نكير فيما يسمونه بالحوار هذا ما هو حوار، هذا انهيار، هذا لا ليس بحوار هذا دمار، هذا ليس بحوار هذه سوء الأفكار وتلقي أفكار الكافر، إنما الحوار أن يدعى الكفار إلى الإسلام وإن أبوا أعرض عنهم واعتزلوا واعتزل سائر أهل الباطل من أهل البدع والشركيات والبدع والخرافات، كل من أعرض عن دين الله فالله غني عنه: ((وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ))[محمد:38]، ((فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ))[فصلت:13]، ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ))[فاطر:15-17].
هذا ونسأل الله التوفيق لما يحبه ويرضاه.
والحمد لله.