نسخة الجوال
ترجمة الشيخ
الفتاوى
الصوتيات
المقالات
المكتبة العلمية
الفتاوى الصوتية المفرغة
إرسل سؤلاً
اتصل بنا
الصوتيات -> خطب ومحاضرات متنوعة
عنوان الملف خطبة جمعة، بعنوان: ( الدلائل على ما في قيام رمضان و العشر الأواخر من الفضائل __ الجمعة 19 رمضان 1440هجرية )
تاريخ إضافة الملف 24/05/2019
عدد المشاهدات( 848 ) عدد مرات التنزيل( 286 )

 

 

 

 

 

 

 

الدلائل على

 

ما في قيام رمضان و العشر الأواخر من الفضائل

 

 

خطبة جمعة

 

 لفضيلة الشيخ

يحيى بن علي الحجوري

 

 حفظه الله

 

 

الخطبة الأولى:

إِنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾                      [آل عمران:102].

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾[النساء:1].

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾[الأحزاب:70-71].

أمَّا بعد :

فقال الله سبحانه وتعالى لنبيه :﴿ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ﴾[مريم:65].

أي هل تعلم له مثيلا ونظير أوكفوا , وهذه الآية مفادها تعظيم الله سبحانه وتعالى وإجلال الله سبحانه  وتعالى .

 وإن من تعظيمه وإجلاله عزَّوجل هو عبادته , من تعظيمه وإجلاله التعبد لله سبحانه وتعالى , والاستكانة له والتذلل له , وقد كان رسول الله ن ذروة المتعبدين لربهم والصابرين على طاعته أناء الليل والنهار.

ألا وإن من صبر رسول الله ن لربه واصطباره لطاعته وعبادته لهو عظيم قيامه , فقد كان رسول الله ن يقوم الليل إلا قليلا كما قال الله له : ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا *نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا * إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا ﴾[المزمل:1-7].

أي أنه مع قيامه في الليل له في النهار أيضا أعمالا وتطوعات ونوافل من الأعمال طويلة .

﴿ وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا ﴾[المزمل:8]: أي انقطع له وداوم على ذلك:﴿ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ﴾[المزمل:9].

فالله سبحانه وتعالى أمر نبيه بهذه الأوامر وما ذلك إلا أن الله عزَّوجل أراد رفع شانه وعلو ذكره كما قال سبحانه وتعالى : ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾[الشرح:1-4].

  وقد كان بتعبده بما هيأه الله سبحانه وتعالى فيه من التعبد لله وهذا المقام المحمود هو نتيجة ذلك بعد فضل الله سبحانه وتعالى , كما قال الله: ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ﴾[الإسراء:79].

وأصح التفاسير في المقام المحمود أنه الشفاعة العظمى , فإن النبي ن يقول: (أنا لها انا لها ) ([1]).

في حين كلا يذكر عذره عن الشفاعة العظمى حين يأتي الأمم إلى الأنبياء من نوح إلى عيسى عليهم الصلاة والسلام , ثم يأتون  محمد ن فيقول : " أنا لها أنا لها فيخر ساجدا تحت العرش ويلهمه من محامده وحسن الثناء عليه ما شاء الله من ذلك ثم يقال له : يا محمد أرفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع"([2]) .

 أيها الناس إن أمر قيام الليل أمر هو دأب الصالحين وشأن عباد الله الأنبياء  والمرسلين فقد ذكر الله عزَّوجل المتقين بقوله : ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ﴾[الذاريات:15-16].

والإحسان أرفع درجات العبادة وهو: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك وقد وصف الله عزَّوجل هؤلاء الأصناف بانهم محسنون وذكرهم بطاعته وتعبده وقيام الليل، ﴿ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾[الذاريات:17-19].

والشاهد من ذلك أن هؤلاء الذين من أهل الجنة وفي الجنات والعيون من صفاتهم أنهم قوام ليل (قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ) وأنهم في أوقات السحر يستغفرون الله سبحانه وتعالى , فهذه صفات أنبياء الله ورسله وصفات المؤمنين الصالحين وخلص العباد لله عزَّوجل والمتقين , كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾[السجدة:16-17].


 

 وقد فسرت السنة هذه الآية , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ن: قَالَ اللهُ : «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ، وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ»([3]).

هذه صفات أنبياء الله ومن سلك مسلكهم ونهج نهجهم في طاعة الله           عزَّوجل , أعد الله لهم ما أعدَّ وأكرمهم بما أكرم بما لا تعلم نفس ولم يطرأ عليها ولم يخطر على قلب بشر.

ألا إن قيام الليل يا عباد الله لهو من أسباب دخول جنة الله , قال عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ا قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ن المَدِينَةَ انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ن ، فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَبَنْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ ن عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ وَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِسَلَامٍ»([4]).

وما أجمل هذا الحديث وأمثال هذا الحديث ؛ أن قيام الليل من أسباب دخول الجنة بسلام , وبدون أي تعرض لعذاب الله.

 والله سبحانه وتعالى قد أبان أن ذلك وما كان من شأنه من المسابقات للخيرات , قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون:57-61].

هذا شأن قوام الليل كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا﴾ : أيش الذي حمله على هذا القيام وما  الذي جعله يقوم والناس نيام : ﴿وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ﴾وجمع بين الخوف والرجاء ﴿وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ ﴾[الزمر:9].

وهذا على سبيل الثناء العظيم لهذا الصنف أنه يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه.

وقد كان رسول الله ن يعتبر  ذلك من الشكر لربه , فقيام الليل شكر لله وما أعظم وما أكثر وما أجل نعم الله على عباده التي لم يستطيعوا شكرها ويعجزون عن ذلك ,  ومن شكر الله عن العبد أن يقوم في هذا الوقت المبارك داعيا ذاكرا قارئا تاليا لكتاب الله عزَّوجل , فقد قال النبي ن ليلة لعائشة : «يَا عَائِشَةُ ذَرِينِي أَتَعَبَّدُ اللَّيْلَةَ لِرَبِّي» قُلْتُ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ قُرْبَكَ، وَأُحِبُّ مَا سَرَّكَ، قَالَتْ: فَقَامَ فَتَطَهَّرَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي –جالسا- أي كان صلى جالسا فإن النبي ن  بعد أن كبر في السن كان يقوم يصلي قاعدا ويصلي قائما من كل الليل قد صلى , وصلى قائما وقاعد ومشى حافيا ومنتعلا , وهكذا صلى حافيا ومنتعلا كما في الحديث .

 قَالَتْ: فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ حِجْرَهُ، قَالَتْ: ثُمَّ بَكَى فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ لِحْيَتَهُ، قَالَتْ: ثُمَّ بَكَى فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ الْأَرْضَ، فَجَاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، فَلَمَّا رَآهُ يَبْكِي، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ تَبْكِي وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ؟، قَالَ: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا- أي يقوم الليل وذلك هو شكر لله عزَّوجل .-، لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ آيَةٌ، وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا :﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ... » الْآيَةَ كُلَّهَا [آل عمران: 190] ([5]).

وهكذا النبي ن تصف عائشة قيامه فتقول عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ن كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ،- أي تشقق قدماه - فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: «أَفَلاَ أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا فَلَمَّا كَثُرَ لَحْمُهُ صَلَّى جَالِسًا، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَقَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ»([6])

وكان ن لا يدع قيام الليل كما أخبرت عائشة ك, قالت لعبد الله بن قيس: «لَا تَدَعْ قِيَامَ اللَّيْلِ ‍ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَدَعُهُ، وَكَانَ إِذَا مَرِضَ، أَوْ كَسِلَ، صَلَّى قَاعِدًا»»([7]). والحديث صحيح في الصحيح المسند لشيخنا رحمه الله .

وهكذا لم يكن يدعه سفرا ولا حضرا فلربما صلى وهو مسافر على راحلته أينما اتجهت به يصلي وهو على راحلته قيام الليل .

ذلك لأن قيام الليل شرف المؤمن ودأب الصالحين , ولأنه من أسباب محبة رب العالمين , ففي البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ن : " إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ "([8]).

وفي هذا الحديث أنه من أسباب محبة الله قيام الليل والنوافل جميعا وخصوصا قيام الليل إذ هو أفضل التطوعات من الصلاة لما أخرج مسلم([9]) في صحيحه عن أبي هريرة ا أن النبي نقال: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ، بَعْدَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، الصَّلَاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ، صِيَامُ شَهْرِ اللهِ الْمُحَرَّمِ» وقيام الليل أفضل الصلاة بعد الفريضة لأمور:

*منها لأنه في وقت هجوع الناس كما قال ابن رواحة ا([10]):

وَفِينَا رَسُولُ اللَّهِ يَتْلُو كِتَابَهُ ... إِذَا انْشَقَّ مَعْرُوفٌ مِنَ الفَجْرِ سَاطِعُ

يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ ... إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالْمُشْرِكِينَ المَضَاجِعُ

فهو في حين غفلة وفي حين رقدة وفي حين انشغال .

*أيضا في وقت نزول رب العالمين سبحانه وتعالى إلى السماء الدنيا ومناداته لعباده : هل من سائل فأعطيه هل من مستغفر فاغفر له كما في الصحيحين وغيرهما  عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ "([11]) الحديث  .

فذاك وقت عظيم , عظيم الشأن الله سبحانه تعالى ينادي العباد : ألا هل من مستغفر ألا هل من سائل.

*وقت إجابة الدعاء ؛ وثبت في صحيح مسلم عَنْ جَابِرٍ ا، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ن، يَقُولُ: «إِنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ، يَسْأَلُ اللهَ خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ»([12])

*هذا وقت مبارك فيه إجابة الدعوات وفيه غفران الذنوب والسيئات وفيه قضاء الحاجات وفيه نزول ملائكة الله سبحانه وتعالى للسكينة ؛ كما ثبت من حديث أسيد بن حضير رضي الله عنه : وأن الملائكة نزلت للسكينة حين كان يقرأ , فكل ما قرأ نفرت فرسه وكانت مربوطة بشطنيين أي بحبلين .

فلما أصبح أخبر النبي نقال: تلك السكينة تنزلت للقرآن ([13]).

إذ أن  رسول الله ن كان من هديه أنه إن قرأ في الليل جهر بالقراءة ؛ كما قالت أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍك: «كُنْتُ أَسْمَعُ قِرَاءَةَ النَّبِيِّ ن بِاللَّيْلِ وَأَنَا عَلَى عَرِيشِي» ([14]) .

وقال النبي ن : " لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا أَسْمَعُ قِرَاءَتَكَ الْبَارِحَةَ- أي كان أبو موسى يقرأ القرآن في الليل من بيته ورسول الله  ن يسمعه ويستمع تلك القراءة الحلوة القراءة اللذيذة- فَقَالَ: لَوْ عَلِمْتُ لَحَبَّرْتُهُ لَكَ تَحْبِيرًا([15]). أي لأتحفتك أكثر .

 لما أعطى الله أبا موسى رضي الله عنه من حسن الصوت كما قال ن: «يَا أَبَا مُوسَى لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ»([16]).

وهكذا نبي الله ن كانت عنايته بقيام الليل عظيمة .

ألا  إن من أهم ما يكون من قيام الليل  لهو الإخلاص والاحتساب فأحذر يا عبد الله أن يكون حظك وحظك من هذا الشهر صياما أو قياما إنما الجوع والعطش أو السهر , فقد ثبت من حديث أبي هريرة ا أن النبي ن قال: "رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ"([17]).

أي ليس له نصيب من صيامه ولا قيامه ولا أجر ولا مثوبة ؛ ذلك لتخلف الاخلاص فحاسب نفسك في هذا الحال , حاسب نفسك وصحح النية وصحح القصد ﴿ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى ﴾[الليل:20-21].

وابتغي بذلك احتسابا عند الله , فمن احتسب ذلك عند الله غفر له , كما في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ن : «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» ([18])

 وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ن قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»([19])

وكلما كان قيام الليل في آخره كان أفضل لحديث عمرو بن عبسة ا  أن النبي ن قال :" أقرب  ما يكون الرب من العبد الثلث الأخير ف الليل فإن استطعت أن تكون في ذلك  الوقت من الذاكرين فكن" ([20]).

وفي صحيح مسلم عَنْ جَابِرٍ ا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ن َ: «مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ، فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ _أي تحضرها الملائكة_ ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ»([21]).

 هكذا قال عليه الصلاة والسلام : وذلك أفضل .

إضافة إلى ما سمعت آنفا أن ذلك موطن إجابة الدعاء وموطن نزول رب العالمين إلى السماء الدنيا في كل ليلة في ذلك الوقت في الثلث الأخير من الليل , وذكر النبي ن نبي الله داود وقال: وكان ينام أول الليل ويقوم آخره .. وذكر أنه لا يفر إذا لاقى.. ([22])

وربنا سبحانه وتعالى ذكر قوام الليل ثم قال مبينا على أنهم في الدرجات العلى قول الله سبحانه تعالى: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ ﴾[آل عمران:14-17].

 هذه الصفات التي ذكر الله سبحانه وتعالى هي خير للعبد هي صفات المؤمنين وهي خير مما يجمعون : ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾[يونس:58].

أي مهما جمع الإنسان في هذه الدنيا وتلذذ في هذه الحياة فإن صفات المؤمنين المستغفرين في ذلك الوقت صفات عظيمة وثمار هي الجنة لا يعدلها شيء في هذه الدنيا الزائلة: ﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾[النساء:77].


 

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مبارك فيه كما يحبه ويرضاه وأشهد ان لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ومجتباه ومصطفاه .

أيها الناس إن شأن قيام الليل في هذه الحياة شأن عظيم وأهم ما يكون القيام في هذا الشهر فإنه شهر كان للقيام فيه ميزة على غيره فقد روى الشيخان في صحيحيهما عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره , ويجتهد في العشر الأخيرة من رمضان ما لا يجتهد في غيرها([23]) .

وكان إذا دخلت العشر الأواخر من رمضان أيقظ أهله _أي لا يتركهم ينامون بل يحثهم على أن يكونوا مستيقظين متحرين ليلة القدر _ وأحيا ليله وجد وشد المئزر_ وقولها وشد المئزر معناه تفرغ للعبادة  أي لم ينشغل بشيء غير العبادة في تلك العشر وذلك وقت يعتبر تحريا -([24]).

 هذه العشر القيام فيها والتيقظ فيه لذكر الله عزَّوجل لا للسهر ولا للملاهي ولا للألعاب ولا للانشغال بشيء من أمور الدنيا , ولكن لهذا المعنى تحريا لهذه الليلة هذا الذي كان رسول الله ن يصنعه ويوقظ أهله .

وقال: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى، وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ، فَإِنْ أَبَتْ، نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ، رَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ، وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا، فَإِنْ أَبَى، نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ»([25])

فأثنى ودعا رسول الله ن لمن قام من الليل فصلى وأقام غيره وأعان غيره على ذلك سواء في رمضان أو في غيره , ولكن في رمضان آكد .

ومن أجل ذلك شرع الاعتكاف وكان رسول الله ن يعتكف العشر الأخيرة من رمضان .

وما ترك رسول الله ن الاعتكاف طيلت حياته إلا حين اعتكف رسول الله ن مرة فجاء نسائه فضربنا أخبية بجانب خباءه وقال : « آلْبِرَّ تُرِدْنَ؟» ثم ترك الاعتكاف ذلك العام وقضاه في شوال أو في غير رمضان([26]).

وإنما الشاهد من ذلك هو تحري ليلة القدر فإنها ليلة عظيمة وهي في هذه العشر من رمضان كما أخبر رسول الله ن .

ألا فالسباق السباق هذا ميدانك:﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:26].

 ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ *الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾[آل عمران:133-134].

 ﴿ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾[الحديد:21].

هذا ميدان التنافس لمن كان متنافسا ناهيك ومحذرك عن التنافس في الدنيا فإنها ضد التنافس في الآخرة تماما , وهاكم المتنافسون في الدنيا كيف ينشغلون عن التنافس في الآخرة , وقد قال رسول الله ن -فيما يرويه عن ربه «ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلَأْ قَلْبَكَ غِنًى، وَامْلَأْ يَدَيْكَ رِزْقًا، ابْنَ آدَمَ لَا تَبَاعَدْ عَنِّي فَأَمْلَأْ قَلْبَكَ فَقْرًا، وَأَمْلَأْ يَدَيْكَ شُغْلًا»([27])

هذا شأن من ينافس في الدنيا أما من ينافس في الآخرة فإنه لا يحسد وإنه كذلك يحب في الله ويبغض من أجله , هذا لا يدفع به إلا إلى كل خير التنافس في الآخرة هذا عمل بر.

وإنما الذي يدفع الإنسان إلى الشر هو التنافس في الدنيا كما قال النبي ن: «... فَوَاللَّهِ لاَ الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخَشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ»([28]).

التنافس في الدنيا هلكة والتنافس في الآخرة نجاة , التنافس في الآخرة مسابقة إلى الخيرات ومسارعة إلى الطاعات والتعاون على مرضاة الأرض والسموات .

فقد كان رسول ن يتحراها وأمر بتحريها , وقال :

«تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ»([29])

وقال : «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي الوِتْرِ، مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ»([30])

فمظنتها في هذه العشر وقيامها يعدل أكثر من ثمانين سنة كما قال سبحانه وتعالى : ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ﴾[القدر:1-5].

سلام هي: ليس فيها أضرار وليس فيه أتعاب وليس فيه إلا كل خير , أي ليلة سلامة وليلة سكينة , وهكذا ايضا تتنزل فيه ملائكة الله وروح الله جبرئيل عليه السلام .

ليلة إجابة دعاء :كَانَ النَّبِيُّ -ن- إِذَا اجْتَهَدَ لِأَحَدٍ فِي الدُّعَاءِ قَالَ- إذا دعا لقوم يدعوا لهم أن يوفقوا لدعاء رجل صالح قائم الليل صائم النهار قال: "جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صَلَاةَ قَوْمٍ أَبْرَارٍ يَقُومُونَ اللَّيْلَ وَيَصُومُونَ النَّهَارَ، لَيْسُوا بِأَثَمَةٍ وَلَا فُجَّارٍ".

 كما ثبت عند عبد بن حميد في المنتخب([31]) من حديث أنس بن مالكا.

لأن هذا الصنف مجاب الدعاء , والله يقول: ﴿ وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ﴾[الشورى:26].

 وقيام الليل بعد الفريضة من الإيمان والعمل الصالح  ومن أسباب إجابة الدعاء .

فتحروها واعتنوا بها ولا تشغلوا عنها فالمحروم من حرمها كما قال رسول الله ن قال: " قَدْ جَاءَكُمْ رَمَضَانُ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، افْتَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ، فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا، فَقَدْ حُرِمَ "([32])

وقال : رغم من أدرك رمضان فلم يغفر له , جبرئيل يقول هذا ومحمد ن يؤمن كما ثبت عن أبي هريرة ا وغيره ([33])

فإذا من حرم ذلك هو راغم الأنف وهو كذلك محروم , ليس والله محروم من الدنيا بل محروم من خيرات أعظم .

محروم ربما من إجابة دعوة قالت  عَائِشَة ك، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ القَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ[كريم] تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي([34]).

        حثها على دعاء جامع وأن الإنسان يعتني في ليلة القدر على ذكر الله وبالقيام وهكذا ايضا بالدعاء وذلك لأنه في وقت إجابة يجتمع فيه وقت السحر يجتمع فيه وقت الصلاة يجتمع فيه أنه في ليلة مباركة كما وصفها الله ﴿ حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ﴾[الدخان:1-3].

فهي أبرك ليلة في السنة كلها , ولا أبرك منها لا ليلة عرفة ولا غيرها , وإنما يوم عرفة هو الذي من حيث الأيام , أما من حيث الليالي فليلة القدر أكثر قيامها أكثر وأبرك لك وأنفع لك من عمرك كله , أكثر من ثلاث وثمانين سنة هذا مدلول ما دل عليه هذا الخبر عن النبي ن من حرمها فقد حرم .

هذا هو ميدان التسابق في طاعة الله والحرص  على ذلك , ألا وإن ربما كثير من الناس ربما أضاعت أوقاتهم في السمر والملاهي ويأخذ من الليل قسط يسيرا ثم ينصرف  بعد ذلك إلى ما يشغله عنه وهذا في الحقيقة يخشى عليه أن يحسر على ما فات﴿ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾[الزمر:56-58].

 

هذا وإن كان في سياق المفرطين أكثر لكن بقدر تفريط الإنسان يحرم , قال النبي ن: "مَنْ قَعَدَ مَقْعَدًا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تِرَةٌ([35])"([36])،  أي أنه يحسر ويبعد بقدر بعده عن ذكر الله في ذلك الوقت الذي فاته من ذكر الله .

فكيف بمن تفوته هذه العشر أو تفوته ليلة القدر وهو غافل عنها ساهي عنها ساهي عنها مشغول عنها .

هذا لا شك أنه تفويت أكثر نسال الله السلامة والعافية ونسأله التوفيق لما يحبه ويرضاه .

اللهم إن نعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على ونفسك.

اللهم إنا نسالك الهدى والتقى والعفاف والغنى , نسأل الله عزَّوجل أن يمن علينا وعليكم بطاعته وبقيام رمضان إيمان واحتسابا وصيامه إيمانا واحتسابا وقيام ليلة القدر إيمان واحتسابا , ونسأله التوفيق لما يحب ويرضى وأن يبعد عنا ما يغضبه ويسخطه وأن يدفع عن هذه البلاد وسائر بلاد المسلمين الفتن ما ظهر منها وما بطن والحمد لله رب العالمين.

انتهت والحمد لله

 

حمَّل الخطبة من هذا ارابط المباشر بصيغة  pdf  من هنا

 



([1]) البخاري (7510) مسلم (193) عن انس بن مالك ا.

([2]) البخاري (7510) مسلم (193) عن أنس بن مالك ا.

([3]) البخاري (3244) مسلم (2824).

([4]) صحيح: أخرجه الترمذي (2485).

([5]) صحيح: أخرجه ابن حبان في صحيحه (620).

([6]) البخاري (4837) مسلم (2820).

([7]) صحيح: أخرجه أبو داود (1307)وأحمد (26114).

([8])البخاري(6502).

([9])مسلم (1163).

([10])البخاري (1155). عن الهَيْثَمُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ يَقُصُّ فِي قَصَصِهِ، وَهُوَ يَذْكُرُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أَخًا لَكُمْ لاَ يَقُولُ الرَّفَثَ» يَعْنِي بِذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ ا قال:

وَفِينَا رَسُولُ اللَّهِ يَتْلُو كِتَابَهُ ... إِذَا انْشَقَّ مَعْرُوفٌ مِنَ الفَجْرِ سَاطِعُ

أَرَانَا الهُدَى بَعْدَ العَمَى فَقُلُوبُنَا ... بِهِ مُوقِنَاتٌ أَنَّ مَا قَالَ وَاقِعُ

يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ ... إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالْمُشْرِكِينَ المَضَاجِعُ "

 

([11]) البخاري  (7494) مسلم (758).

([12])مسلم (757).

([13])البخاري  (5011) مسلم (795) عن البراء بن عازب م , وأخرجه الطبراني في الكبير عن أسيد بن حضير ا(564) وهو الذي يقرأ.

([14])صحيح: النسائي  (5011) وابن ماجه (1349) .

([15])صحيح: اخرجه ابن حبان في صحيحه (7193) عن أبي موسى ا وأصله في مسلم.

([16])البخاري (5048). مسلم (793).

([17])حسن: أخرجه ابن ماجه (5048). وابن خزيمة (1997) واللفظ له.

([18])البخاري (38) مسلم (759).

([19])البخاري (37) مسلم (759).

([20])صحيح: أخرجه أبو داود (1277) والنسائي (572) وابن خزيمة(1147).

([21])مسلم (755).

([22])البخاري (1979) مسلم(1159) عن عبد الله بن عمرو بن العاص م.

([23]) مسلم (1175) .

([24]) البخاري (2024) .

([25]) صحيح: أخرجه أبو داود (1308) .

([26]) مسلم (1172) عن عائشة ك .

([27]) صحيح : أخرجه الطبراني في الكبير  (500) عن معقل بن يسار ا .

([28]) البخاري (3158) مسلم (2961) عن المسور بن مخرمة ا .

([29])مسلم (1169) عن عائشة ك .

([30]) البخاري (2017) مسلم (1169) عن عائشة ك .

([31])صحيح برقم (1358) .

([32])صحيح بشواهده: أخرجه أحمد (7148) عن أبي هريرة ا .

([33])صحيح لغيره: أخرجه ابن حبان (409).

([34])صحيح: الترمذي (3513) وأحمد (25348). تنبيه: لفظة [كريم] قال الشيخ الألباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة (7/1011-1012): (( تنبيه: وقع في سنن الترمذي بعد قوله: (عفو)، زيادة (كريم)! ولا أصل لها في شيء من المصادر المتقدمة....)).

 

([35])(تِرَةً) يَعْنِي حَسْرَةً وَنَدَامَةً.

([36])صحيح: الترمذي (3513) وأحمد (25348).