نسخة الجوال
ترجمة الشيخ
الفتاوى
الصوتيات
المقالات
المكتبة العلمية
الفتاوى الصوتية المفرغة
إرسل سؤلاً
اتصل بنا
الصوتيات -> خطب ومحاضرات متنوعة
عنوان الملف عنوان خطبة اليوم: (( وجوب إلغاء الأحزاب و الاعتصام بالسنة والكتاب))
تاريخ إضافة الملف 02/03/2012
عدد المشاهدات( 5380 ) عدد مرات التنزيل( 1435 )

 

 
 
وُجوبُ إلغاء الأحزاب
 
والاعتِصَام بالسُّنةِ والكِتَاب
 
 
 
للشيخ العلامة
يحيى بن علي الحجوري
حفظه الله تعالى
 
 
 
 
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ[آل عمرآن:102]
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالارْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا[النساء:1]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا[ الأحزاب ٧٠ – ٧١]، أمَّا بعد:
فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله وخير الهُدى هُدى رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم وشرَّ الأمور محدثاتها وكُلَّ محدثةٍ بدعة وكُلَّ بدعة ضلالة وكُلَّ ضلالة في النَّار.
أيُّها النَّاس! يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ[المؤمنون:51-25]
فأمرهم اللهُ عز وجل أن يأكلوا من الطَّيِّبات وأن يعملوا صالحاً والأمر لهم و لأممهم, فما من نبيٍّ إلا ويدعو أمَّته إلى دين الله الحقِّ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الارْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ[النحل: ٣٦].
وأمرهم اللهُ عز وجل أن يكونوا أُمَّةً واحدةً في عبادة الله وعلى هدى الله عز وجل وأنَّ هذا هو سبيل تقوى الله, ولهذا ثبت في الصَّحيح أنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-  قال: «إنَّا معشر الأنبياء أولاد علاَّت»([1]) ومعنى (أولاد علاَّت): أي ضرَّات؛ أبوهم واحد وأُمَّهاتهم شتَّى، فدين الله عز وجل واحدٌ الذي أرسل به رسله وأُنزلت به كُتَبَه, كُلُّه دين الإسلام إلاَّ ما قد يكون من بعض الشَّرائع: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا[المائدة: ٤٨], وأمَّا توحيد الله والدَّعوة إلى كتابه وسُنَّة رسوله ودينه الحقِّ فما من نبيٍّ إلاَّ وبُعِثَ يدعو إلى الإسلام وإلى توحيد الله, قال تعالى:﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾[آل عمران:19], وقال تعالى:﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ٍٍٍٍ[البقرة:132]
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ[الأنبياء: ٢٥], ووصَّى اللهُ عز وجل بذلك جميعَ أنبيائه ورسله؛ قال الله عز وجل: ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ[الشورى: ١٣].
فهذا هو الدِّين الذي شرعه الله عز وجل وصَّى الله عز وجل به أنبياءه ورسله وأُمَمَهم ﴿ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ[النحل: ٣٦], وقال الله عزوجل: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ[المؤمنون: ٥٣].
أنبياء الله دينهم واحد وأقوامهم تقطَّعوا أمرهم بينهم زبراً و ﴿ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ[آل عمرآن: ١٠٥], كما أخبر الله -سبحانه وتعالى-, قال تعالى:﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ * وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾[ البينة: 4-5]
أيُّها النَّاس! إنَّ صراط اللهِ المستقيم وإنَّ دينه القويم لهو في ما وصَّى به أنبياءه ورسله من الاعتصام بكتاب ربِّ العالمين وسلوك شريعة الأنبياء والمرسلين، قال الله عز وجل: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[الأنعام: ١٥٣], هذه وصيَّة الله أن يسلك النَّاس صراط الله عز وجل المستقيم القويم وأن يحذروا من التَّفرُّق في تلك السُّبل المُتَشَعِّبة المُتَفَرِّقة.
أيُّها النَّاس! إنَّ أمر التَّفَرُّق أمرٌ خطير يُضادُّ الاعتصام بالله ويُضادُّ الاعتصام بكتاب الله و بسُنَّة رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم, ويسحب الأُمَمَ إلى الضَّلال والمتاهات والبدع والخرافات والكُفر والشِّركيَّات؛ لهذا نهى الله -سبحانه وتعالى- عنه وحثَّ على الاعتصام بكتابه؛ قال الله -سبحانه وتعالى-: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾[ آل عمرآن: ١٠٢ - ١٠٣].
فوجب على كُلِّ مؤمنٍ أن يُلَبِّيَ نداء الله بالاعتصام بحبله عز وجل، (حبل الله): كتابه([2])؛ هو حبله المتين وهو صراطه المستقيم وهو دينه القويم، نعم هذا الكتاب هو حبل اللهِ المتين من اعتصم به هُدِي, قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا[الإسراء: ٩], من اعتصم به انشرح صدره, قال تعالى: ﴿ أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الزمر: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿يا أيها النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ[يونس: ٥٧ - ٥٨].
أمر اللهُ بالاعتصام بكتابه وسُنَّةِ نبيِّه -صلى الله عليه وسلم- ؛ روى مسلم في صحيحه([3]) من حديث زيد ابن أرقم t قال: كُنَّا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-  في سفرٍ فنزلنا منزلاً بماءٍ يُدْعى خما فخطب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-  فيهم وممَّا قال: «تركت فيكم ما إن تمسَّكتم به لن تضِلُّوا بعدي: كتاب الله» هذا كتابُ أمانٍ من الضَّلال؛ هذا كتاب عصمةٍ من الفتن، فحثَّ ورغَّب على كتاب الله ثُمَّ قال: «وأهل بيتي أذكِّرُكُم اللهَ أهلَ بيتي» فحثَّ على التَّمسُّك بكتاب الله وحثَّ على التَّذكير والرَّحمة بأهل بيته، التَّمسُّك بالكتاب -أهل بيته وغير أهل بيته- يتمسَّكون بهذا الكتاب بهذا الصِّراط المستقيم، قال الله -سبحانه وتعالى- في كتابه الكريم: ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ[فصلت: ٤٤].
فمن أراد الشِّفاء والهداية أخذ بهذا الصِّراط المستقيم واعتصم به، قال الله عز وجل: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون[آل عمرآن: ١٠٣].
في هذه الآيات بيانٌ عظيمٌ كما قال الله عز وجل: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِذكَّر اللهُ بنعمته العظيمة التي منَّ بها على عباده المؤمنين بأن كانوا كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : «مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسَّهر والحُمَّى»([4]) فهذه من النِّعم التِّي تخالف ما كان عليه أهل الجاهليَّة من الفتنة والنِّقمة والشَّرِّ, قال حذيفة رضي الله عنه: «إنَّا كُنَّا في جاهليَّة وشرٍّ»([5]) وكانوا أعداءً مُتَناحرين فألَّف اللهُ عز وجل بين قلوبهم على الحق, وجمع كلمتهم ووحَّد شأنهم وأنزل لهم وأرسل إليهم رسولاً واحداً النَّبيَّ الأُمِّيَّ وجعل لهم قبلةً واحدةً، وكتاباً واحداً وهو كتاب الله العزيز, الذي:﴿ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيد﴾[فصلت:42].
كُلُّ هذا من لوازم الاعتصام بالله وبكتاب الله لمن أراد لنفسه الهداية وتذكر نعمة الله, فاحذر عبدَ الله كُفران هذه النِّعمة: ﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً أي: في الجاهليَّة ﴿فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِأي: بنعمة الإسلام ﴿ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ أي: في الجاهليَّة في ذلك العداء والشَّر والشِّرك ﴿فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ[ آل عمرآن: ١٠٣] وقال النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- مُبَيِّناً هذه النِّعمة حين قسم بعض غنائم أهل حنين وأعطى بعض النَّاس وتألَّفهم وزادهم في العطاء, فعتب بعض النَّاس من الصَّحابة رضوان الله عليهم فجمعهم-صلى الله عليه وسلم-  وقال: «يا معشر الأنصار! ألم أجدكم ضُلاَّلاً فهداكم اللهُ بي؟ ألا تجيبون؟» قالوا: اللهُ ورسوله أمَنَّ، قال: «ألم أجدكم عالةً فأغناكم الله بي؟ ألا تجيبون؟» قالوا: اللهُ ورسوله أمَنَّ، قال: «ألم أجدكم متفرِّقين فجمعكم الله بي؟ ألا تجيبون؟» قالوا: الله ورسوله أمَنَّ.([6]) فهذه من النِّعمة، قد كان العرب الأنصار وغير الأنصار في تفرُّقٍ وشتات وشِدَّةٍ واختلاف وعِداءٍ وشرٍّ فجمعهم الله عز وجل بهذه النِّعمة نعمة الإسلام برسول الله -صلى الله عليه وسلم-  قال تعالى:﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾[الجمعة:2], ومن أوَّل ما شرع فيه منذ وصوله إلى المدينة أن آخى بين المهاجرين والأنصار، آخى بين المهاجرين والأنصار-صلى الله عليه وسلم-  فهذا من أوَّل ما بدأ به من دعوته حين نزوله إلى المدينة من أوائلها إضافةً إلى التَّوحيد وسائر التَّعاليم وذكَّرهم بهذه النِّعمة، فاذكر عبدَ الله هذه النِّعمة و حافظ عليها جِدًّا، نعمة الإسلام ونعمة الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة والجماعة, ففي الحديث الصَّحيح عن الحارث الأشعري رضي الله عنه,حديثٌ طويلٌ جميلٌ شرحه ابن القيِّم رحمه الله في كتابه: (الوابل الصَّيِّب) شرحه شرحاً جميلاً وفيه أنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-  قال: «وأنا آمركم بخمس: السَّمع والطَّاعة والجهاد والهجرة والجماعة فإنَّ من فارق الجماعة قيد شبرٍ خلغ ربقة الإسلام من عنقه»([7]) يعني جماعة المسلمين, ففيه الحذر من التَّفرُّق.
هذا الموضوع أُهمِلَ تطبيقه أعني جانب الاعتصام حتَّى صار النَّاس فرقاً شتَّى وطرائق قددا وأحزاباً مُمَزَّقةً متفرقعة, كُلُّ ذلك اتِّباعاً للشَّيطان وتقليداً للمشركين ولمَّا نزل بعض الصَّحابة رضوان الله عليهم في بعض أسفارهم في الشِّعاب وتفرَّقوا قال النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- : «إنَّ تفرُّقكم هذا في الشِّعاب والأودية من الشَّيطان»([8])؛ فما بالُك بالتَّفَرُّق المعنوي تفرُّق القلوب إذا كان هذا التَّفَرُّق الحِسِّي هذا في مكان وهذا في مكان من الشَّيطان؛ فهذا من بابٍ أولى أنَّه من أشدِّ سعي الشَّيطان التفرق المعنوي. ومن أجل ذلك الشَّيطان ينصب عرشه في البحر ويرسل جنوده فمن أتى إليه وأخبر أنَّه فرَّق بين كذا وكذا يقول له لم تصنع شيئاً؛ حتَّى يأتي من يأتي منهم ويقول: لا يزال بفلان وفلانة حتَّى تفرَّقا يقول: نعم أنت ويُتَوِّجه([9])، حتَّى ولو كان التَّفرُّق بين المرء وزوجه فكيف إذا كان التَّفرُّق بين أممٍ من المسلمين رجالاً ونساء.
معشَر المسلمين! اتَّقوا الله؛ حافظوا على دينكم؛ حافظوا على جماعتكم, أمرنا الله عز وجل أن نكون أمة واحدة على توحيده وهداه وسنة مصطفاه, قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ[الأنبياء: ٩٢].
ما هذا التَّمزُّق؟! ما هذا التَّشرذم؟! كُلُّ من تبعه جماعةٌ من الناس اتَّخذ له حزباً، هذا لا يرضاه الله عز وجل ، بل يبغضه ربُّ العالمين؛ ففي صحيح مسلم([10]) عن أبي هريرة t أنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-  قال: «إنَّ اللهَ يرضى لكم ثلاثاً ويكره لكم ثلاثاً، يرضى لكم: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرَّقوا وأن تُناصحوا من ولاَّه اللهُ أمركم» -زيادةٌ في مسند أحمد- «ويكره لكم قيل وقال وكثرة السُّؤال وإضاعة المال», فاللهَ اللهَ؛ معشر المسلمين الحذرَ الحذرَ من تقليد المشركين ومُجاراتهم في التَّمزُّق والتَّحزُّب والعداوة والبغضاء والمكايد والفتن والشَّر وما كان عليه أهل الجاهليَّة، ليس والله لهذا التَّحزُّب أيُّ مصدرٍ يُؤيِّده من كتاب الله وسُنَّة رسوله -صلى الله عليه وسلم-  سِوَى أنَّه تقليدٌ لمن مضى من الجاهلين و المُشركين ولهذا حذَّرنا ربُّنا سبحانه من ذلك فقال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ[الروم: ٣١ - ٣٢], وقال الله -سبحانه وتعالى-: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ * فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ[المؤمنون:: ٥٣ - ٥٤] ﴿ فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍهذا تهديدٌ من الله ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ[المؤمنون:: ٥٥ - ٥٦].
هذه فتنة؛ هذه بليَّة، هذا تخطيطٌ من الكُفَّار والشَّيطان لإضعاف قُوَّة المؤمنين واضطهاد دين ربِّ العالمين قال الله سبحانه: ﴿ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ[الأنفال:: ٤٦], فكُلّما حصل التَّفرُّق حصل التَّشَتُّت وحصل التَّنازع ورُبَّما يحصل التَّنازع بين الأخ وأخيه والمرء وزوجه والجار وجاره هذا في فرقة وهذا في فرقة وهذا في حزبٍ وذاك في آخر, وهذا الذي حذَّر اللهُ منه, وهذا ليس بشيء كما قال الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ[الأنعام:: ١٥٩].
إِن الله عز وجل يرضى لنا الاعتصام بكتابه, فقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا[النساء:: ١٧٤ - ١٧٥], كلما اعتصموا بالله وبحبل الله وبالجماعة كان هذا من فضل الله عليهم ومن رحمته بهم، وإنَّ التَّفرُّق بلاء يُعارض الرَّحمة ويُعارض فضل ربِّ العالمين ويُضعف القوى ويُشَتِّت العزم ويُسَبِّب الفتن ويُضَيِّق الصُّدور ويُوغر القلوب ويعمل فيها ما لا يعمله السِّحر كُلُّ ذلك من الشَّيطان قال الله سبحانه: ﴿ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ[آل عمرآن:: ١٠٥] أولئك الذين تفرَّقوا مُتَوَعَّدون بالعذاب العظيم, فاحذر أن تسلك مسلكهم فيصيبك ما أصابهم, قال الله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ[ آل عمرآن:: ١٠٦ - ١٠٧]
الزم أيها المسلم أسباب رحمة الله, ومن أعظمها لزوم الجماعة, قال الله سبحانه: ﴿ وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ[هود:: ١١٨ - ١١٩]
التزم بكتاب الله وسُنَّة رسوله -صلى الله عليه وسلم- لست بحاجة إلى كُتلةٍ وحدك وإلى حزبٍ مُستقِلٍّ: (هذا حزب إصلاح، هذا حزب مؤتمر، هذا حزب الوطن، هذا الحزب السَّلفي، فيما يزعم عياذا بالله.
فأين تذهبون!! أُمَّة واحدة أكثر من خمسين حزب! كُلُّ من له مجموعة من الناس اتَّخذ له حزباً! نحن أُمَّة واحدة نحن مسلمون نحن مثل الجسد الواحد, كما وصفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: « مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى», يجب أن نكون مع الكتاب والسُّنَّة جميعاً بدون افتئات, قال الله -سبحانه وتعالى- في كتابه الكريم: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ[ الأحزاب:: ٢١].
الرَّسول صلى الله عليه وسلم يجمع أصحابه وأنتم تُفَرِّقون المؤمنين؟!! من أوَّلِ ما وضع قدمه في المدينة وهو يجمعهم ويُؤاخي بينهم ويُؤالف بين قلوبهم: ﴿ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ[الأنفال: ٦٣], هذا كُفرانٌ لنعمة الله وكم تُعَدِّد من مثالب هذه التَّحزُّبات التي كُلّ حينٍ وهي في تطوُّر ﴿ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا[الكهف: ١٠٤].
يا أيُّها النَّاس لا تُفاقموا على النَّاس وعلى البلدان البلاء والشَّر والعداوة والبغضاء والإحن والمحن والمكايد والولاء الضَّيِّق والبراء الضَّيِّق.
يجمع الأمة كتابٌ وسُنَّة: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا[الحشر: ٧], وقال الله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ[الحج: ٧٧ - ٧٨], فنحن نبرؤ إلى الله من الحزبيَّة إلا ما وصفه الله وأثنى عليه في كتابه بقوله تعالى: ﴿ فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ[المائدة: ٥٦], وبقوله سبحانه:﴿ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[المجادلة: ٢٢], لا حزب سلفي كما يزعم قائله ولا غيره من الأحزاب, كتابٌ وسُنَّةٌ يجب أن يكون المسلمون على ذلك، تجتمع كلمتهم، ويحصل التَّحابُّ بينهم، وتحصل الأُلْفة، والتَّعاون على البِرِّ والتَّقوى، ومُضافرة الجهود والوقوف أمام الأعداء وغير ذلك ممَّا ينفع الله به الأُمَّة، وهذه الأحزاب والله لقد ذاقوا مرارتها وعرفوا شِدَّتها ومع ذلك لا يزالون لاجِّين في التَّوسُّع -نسأل اللهَ السَّلامةَ والعافيةَ-.
[الخطبة الثانية:]
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أنَّ محمَّداً عبده ورسوله صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم تسلمياً كثيراً أمَّا بعد:
ثبت في صحيح مسلم([11]) من حديث عرفجة t أنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-  قال: «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه », عند التَّأمُل لهذا الحديث العظيم ترى أهمِّية الجماعة وأهمِّية الائتلاف والاتِّفاق على كتاب الله وسُنَّة رسوله -صلى الله عليه وسلم-  وخُطورة التَّفَرُّق والتَّمزُّق، و أنه ممَّا يُبيح دَّم السَّاعي بتفريق المؤمنين إلى كُتَلٍ وإلى مُشَرْذمين, فاحرصوا على التزام جماعة المسلمين والتَّآخي والتَّضافر بين المؤمنين قبائلَ ومؤمنين ومعلِّمين ودُعاة وبسائر أنواعهم وأشكالهم وأصنافهم من أهل الحق, أُمَّة واحدة كما وصفهم الله -سبحانه وتعالى-، «لا فضل لأعجميٍ على عربيٍ ولا لعربيٍ على أعجميٍ ولا لأبيض على أسود ولا لأسود على أبيض إلاَّ بتقوى الله»([12])؛ قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾[الحجرات: ١٣].
فإِنَّ هذا التَّفرُّق تشَبُّهٌ بالكُفَّار وممَّا توعد عليه بالنار, روى أحمد وغيره عن معاوية t -وجاء عن غيره- عن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-  قال: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وافترقت النَّصارى على ثِنتَين وسبعين فرقة وستفترق هذه الأُمَّة على ثلاثٍ وسبعين فرقة كُلُّها في النَّار [إلا واحدة]»([13]) والله إنَّ هذا حديثٌ مخيف والله! أن يكون الإنسان من تلك الفرق التي تنقطع وتنفلت عن جادَّة السُّنَّة وعن طريق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-  وأصحابه إلى فرقٍ أخرى فتتمزق منها وتنقطع منها وتُعَرِّض نفسها لما ذُكِرَ في هذا الوعيد نسأل اللهَ العافية.
الجادَّةَ الجادَّةَ عباد الله والصِّراط المستقيم والحُجَّة, كما قال عليه الصلاة والسلام : «تركتكم على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك»([14])، «كُلُّها في النَّار إلا واحدة» قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: «من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي», فمن سار على ذلك هو الجادَّة وهو الأساس وهو الطَّائفة المنصورة والفرقة النَّاجيَّة, بنص خبر المعصوم عليه الصلاة والسلام, وليس الأمر بالدعاوي والأماني, قال الله تعالى:﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾[النساء:123]
والتَّمزُّق عن ذلك والافتئات عليه يُعرِّض لما ذُكِر في هذا الحديث ولغيره ممَّا ذكر اللهُ عز وجل في الأدلَّة الماضية وغيرها.
أيُّها النَّاس! وصف اللهُ الكُفَّار بقوله -سبحانه وتعالى-: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الارْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ[الأنفال: ٧٣],: إن لم تكونوا بعضكم من بعض مُتعاونين متضافرين متناصرين متناصحين مُتَّقِّين لله -سبحانه وتعالى- على كتابه وسُنَّة رسوله -صلى الله عليه وسلم-  تكن فتنة([15]) و والله لقد رأينا هذا وحصلت الفتنة الدَّهماء والظُّلمة الظَّلماء والتشبه بالأعداء وغير ذلك من البلاء ونسأل ربَّنا -سبحانه وتعالى- اللُّطف والعافية والهُدى والتُّقى وأن يدفع عنَّا الفتن ما ظهر منها وما بطن و أن يوفق المسلمين للرجوع لكتابه وسنة نبيه في الصغير والكبير من الأمور, والتوبة النصوح باجتناب هذه الأحزاب وغيرها من الشرور وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا اله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
كان الفراغ من النظر في هذه الكلمة وتعديلها مساء السبت 10 من ربيع الثاني 1433هـ
 
حمل الرسالة على ملف وورد من
 


([1])أخرجه البخاري: (3443) ومسلم: (2365) عن أبي هريرة t بلفظ: «الأنبياء إخوة من علات دينهم واحد وأمهاتهم شتَّى».

([2]) كما جاء في صحيح مسلم: (2408) أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «كتاب الله عزوجل هو حبل الله».

([3]) برقم: (2408).

([4]) أخرجه البخاري: (6011) ومسلم -واللَّفظ له-: (2586) من حديث النُّعمان بن بشير رضي الله عنهما.

([5])  من حديث حذيفة المشهور في الفتن، أخرجه البخاري: (7084) ومسلم: (1847).

([6]) أخرجه البخاري: (4330) ومسلم: (1061) عن عبد الله بن زيد بن عاصم t.

([7]) أخرجه التِّرمذي: (2863) وصحَّحه الإمام الألباني وجملة: (فمات مات ميتة جاهلية) ليست في مصادر هذا الحديث وقد وهم فيها الإمام ابن القيِّم رحمه الله وأدرجها في الحديث في كتابه: (الوابل الصَّيِّب)، والثَّابت هو قوله صلى الله عليه وسلم: «فإنه من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يرجع، ومن ادعى دعوى الجاهلية فإنه من جثا جهنم».

([8]) أخرجه أبو داود: (2628) عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه وصحَّحه الإمام الألباني.

([9]) أخرجه مسلم: (2813) من حديث جابر رضي الله عنه.

([10]) برقم: (1715) وزيادة أحمد برقم: (8799).

([11]) برقم: (1852).

([12]) أخرجه أحمد: (23479) وصحَّحه الإمام الألباني في (السِّلسلة الصَّحيحة) برقم: (2700).

([13]) أخرجه أبو داود: (4596) والترمذي: (2640) وابن ماجه: (3991) وأحمد: (8396) وصحَّحه الإمام الألباني في (السِّلسلة الصَّحيحة) برقم: (203) و(204).

([14]) أخرجه ابن ماجه: (43) عن أبي نجيح العرباض بن سارية t وصحَّحه الإمام الألباني.

([15]) تفسير ابن كثير: (4/98).