نسخة الجوال
ترجمة الشيخ
الفتاوى
الصوتيات
المقالات
المكتبة العلمية
الفتاوى الصوتية المفرغة
إرسل سؤلاً
اتصل بنا
الصوتيات -> خطب ومحاضرات متنوعة
عنوان الملف تربية الأجيال على البعد عن التلصص والانتحال
تاريخ إضافة الملف 15/03/2009
عدد المشاهدات( 3984 ) عدد مرات التنزيل( 715 )

[تربية الأجيال على البعد عن التلصص والانتحال]

خطبة جمعة بتاريخ: (10-4-1428هـ)
(للشيخ المحدث: أبي عبد الرحمن يحيى بن علي الحجوري -حفظه الله تعالى-)
================================
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾[آل عمران:102]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾[النساء:1]،﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾[الأحزاب:70-71].
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أيها الناس! إنه لا بد لهذا الإنسان من تربية منذ طفولته إلى خروجه من هذه الدنيا وهو يتربى, يتربى في أحضان والديه, ويتربى على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم, ويتربى ويتأدب من حين إلى آخر: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[النحل:78]،
فلا غنى لواحد من الناس براً كان أو فاجراً عن التربية, مهما كان حال الإنسان يحتاج إلى تربية, الفاجر يحتاج إلى تربية تقومه وتعيده إلى طاعة الله وإلى الصواب, والبر يحتاج إلى تربية تعينه وتثبته على الجادة والهدى, وتلك التربية أعظمها وأجلها هو ما أبانه الله في كتابه وأرسل من أجله رسله, وليس هناك تربية أجل ولا أعظم من هذه التربية العظيمة تربية المرسلين عليهم الصلاة والسلام, فإن الله أرسلهم مؤدبين مربين: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾[الجمعة:2]، هذه تربية عظيمة يجب أن تستفاد، وأن الإنسان يكون في غاية من الضلال السحيق فإذا هو أخذ تربية رسول الله صلى الله عليه وسلم صار زكياً نقياً، زكاه الله بتلك التربية العظيمة, فنعم إن أمر التربية أمر ليس باليسير وأنه لا يمكن لأحدٍ أن يستغني عنه يوماً من الدهر: ويقول أنا صرت كبيراً صاحب لحية أو صرت كهلاً، وقد أخذت من التربية ما يكفي أبداً! تربية على الطهارة, تربية على الصلاة, تربية على الصيام, تربية على الزكاة, على سائر أمور دين الله الحق تربية على حقوق الجوار, وحقوق الوالدين, وحقوق المسلمين والتعامل مع سائر الناس, كل ذلك يحتاج فيه الإنسان إلى تربية جاداً مستمراً.
وإن من أعظم ما ينبغي تربيته والاهتمام به: هو تربية المسلمين وتأديبهم, على البعد عن الانتحال وعن التلصص, فإن هذه تربية جيدة, لاشك أنه قد يطرأ للإنسان تشبه بالكافرين من حيث يشعر أو لا يشعر في أمر الانتحال, فعلى دعاة المسلمين تربية الأجيال بالبعد عن التلصص والانتحال فإن هذه التربية مهمةٌ جداً, ولهذا الأمر نماذج قديمة وحديثة ومن تلك النماذج: ما صنع فرعون عليه لعائن الله من انتحال الربوبية, وإنما هو عبدٌ من عباد الله, الله عز وجل هو الذي خلقه لعبادته: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾[الذاريات:56]، وبلغ به الأمر إلى أن انتحل الربوبية, وشارك الله عز وجل فيما هو من خصائصه, قال الله عز وجل: ﴿هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى * فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى * فَكَذَّبَ وَعَصَى * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى * فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾[النازعات:15-24]، وأدى به هذا الانتحال إلى بطش الله ونقمته فقال سبحانه: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾[النازعات:25-26]، انتحال الربوبية وهو عبد من عباد الله.
والنمرود انتحل الربوبية قال الله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾[البقرة:258].
لا شك أن أمر الانتحال مؤداه ومآله إلى الفشل ولا يدوم أبداً؛ ولهذا فرعون عليه لعائن الله لما كانت دعواه نحلة -مجرد انتحال-، فشل فشلاً ذريعاً, وغاية ما في الأمر: أنه تارة يدعي الربوبية وتارة ينزل إلى ادعاء أنه يدع إلى الهداية
ويقول: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾[غافر:29]، وكذبه الله عز وجل قال: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ * يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾[هود:97-98].. وهكذا: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ[غافر:26]، تناقض إذاً, فرعون قلبه ما يصدقه أنه رب فهو متناقض: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا[النمل:14]، لما كانت دعواه عبارة عن انتحال قال: ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ[غافر:26]، أليس هو يدعي أنه الرب وصاحب الدين؟ ﴿أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾[غافر:26]، عجز أمام موسى عليه الصلاة والسلام, وهجم عليه موسى بالبراهين والحجج: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾[الإسراء:102]، ولم يستطيع يفعل شيئاً.
أمر الانتحال أرهق الناس، وكان سبباً في أذية الأنبياء فضلاً عن غيرهم، موسى عليه الصلاة والسلام بعثه الله وجعل نبياً معه أخاه هارون بشفاعة من موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾[طه:29-32]، وجاء ذلك المنتحل والمؤذي وهو السامري، ولا يزال مع قوم موسى من فتنة إلى أخرى، كلما أرادوا الاستقامة قام لهم السامري بادعاء آهلة أخرى، قال الله: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هُمْ أُوْلاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى * قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ * فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي * قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ * فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى..﴾[طه:83-88] الآيات، انتحل دعوة موسى، وانتحلت دعوة بعده حتى غضب موسى عليه الصلاة والسلام وعاتب أخاه أيضاً، قال: ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي * قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ * قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾[طه:94-96]، أذية وفتنة بسبب تسويلات النفوس وانتحال لدعوة موسى عليه الصلاة والسلام.
وهكذا صنع اليهود بانتحال كتبهم نحلة بغير علم ولا برهان حتى فضحهم الله عز وجل فقال: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾[البقرة:78]، أي تلاوة﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾[البقرة:78]، ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾[البقرة:79]، هذا انتحال للعلم، وأيضاً انتحال للكتب المنزلة من السماء بتحريفها على أنها من عند الله، كذب وتأَكُّل على كتب رب العالمين، وكان عاقبة أمرهم الخسر، وأنهم مهددون بالويل على كذبهم وعلى تحريفهم: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾[البقرة:75]، يحرفونه تحريفاً عن معانيه، وتحريفاً حتى لألفاظه ولخطه وهم يعلمون أن ذلك كذب.
فأمر الانتحال أرهق الأمة سواء كان انتحال العلم كما فعلت بنو إسرائيل انتحلوا العلم وادعوا أنهم أتوا بكتب وهي من عند الله وهم كذبة وهم أميون، أميون أشباه الأميين ويدعون العلم.
وانتحلوا أيضاً أنهم هم أحق بإبراهيم وهم أولياؤه، وأن إبراهيم كان يهودياً منهم، وآخرون يقولون: كان نصرانياً منهم، يريدون انتحال الأشخاص ذووا الفضل من أجل أن يوثق بهم وهم ليسو من هذا الصنف، وليسو بأولياء لإبراهيم حتى فضحهم الله، قال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾[آل عمران:67]، ثم أخبر أن أولياء إبراهيم هم أهل الإسلام: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾[آل عمران:68]، انتهت دعواهم، وانتهى انتحالهم إلا مجرد الكذب، فإنهم ينتحلون ادعوا أن إبراهيم منهم، وأيضاً أبان الله أنهم بغير عقول، كيف ينتحلون إبراهيم، وأن إبراهيم منهم: ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾[آل عمران:65]، موسى ما بعث إلا بعد إبراهيم، الذي أنزلت عليه التوراة، عيسى ما بعث إلا بعد إبراهيم الذي أنزلت عليه الإنجيل، فالانتحال مفضوح.
وهكذا تصنع قريش بانتحال بيت الله الحرام، وأنهم أهله وأهل الحجيج والسقاية حتى قال الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾[الأنفال:33-34]، فريش تنتحل بيت الله الحرام وهم غير عابدين، وغير مناصرين، مجرد نحلة، أهل الحجيج أهل البيت.. حتى جاء كعب بن الأشرف إلى مكة وجعل المشركون يسألونه: من خير؟ نحن أم محمد، نحن أهل الحجيج وأهل السقاية وأهل.. وأهل، يعددون، ومحمد هو ذلك الصنبور المنبتر، فقال ذلك المفتي الكذاب: أنتم خير وأهدى سبيلاً، أي: من محمد صلى الله عليه وسلم، لا يمكن أنهم يتخلصون عن البيت وينتفون عنه، بل إنهم ينتسبون إليه ويزعمون أنهم أهله وأجدر به وأحق به، حتى نفى الله سبحانه وتعالى ذلك عنهم؛ لأنهم غير مناصرين لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم الحق، وإنما هي مجرد نحلة، وأنزل رب العالمين: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾[النساء:51]، ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾[النساء:51]، أي: ما هم حتى على دين إبراهيم، ولا على دين محمد: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾[النساء:51-52]، قطع الله انتحالهم إلى البيت البتة، وأنهم ما معهم إلا الأكاذيب، وأن الذي ينتسب إلى شيء يجب أن يكون مناصراً له فعلاً، فأنت من أهل البيت قم بما أمر الله به أهل البيت من عبادة الله عز وجل: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾[قريش:5-4]، كيف ينتسبون إلى البيت الحرام وهم في الحقيقة لا يعبدون ربه، رب ذلك البيت، مجرد انتحال، انتحال للأماكن المقدسة، وانتحال للأشخاص الفضلاء، وانتحال للعلم والدين، وحتى والله انتحال للنبوة وللربوبية، انتحال للنبوة حتى أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنها لا تقوم الساعة حتى يبعث كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي»، يريد ينتحل نبوة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا نبي بعدي»، والله يقول: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾[الأحزاب:40]، وقال: بي ختمت النبوة وختمت الرسالة، ولا يزال أناس ينتحلون النبوية دعاوى كاذبة، فانتحلها مسيلمة الكذاب، مسيلمة الكذاب في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال له: «أتؤمن بي؟ قال: إن أعطيتني الأمر بعدك آمنت بك»، يريد النبوة وكأنها عبارة عن استخلاف أو أمر من عند النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هي من عند الله! قال: «لو طلبتني، لو سألتني هذا العود ما أعطيتك، وإن توليت ليعقرنك الله، وهذا ثابت بن قيس يجيبك عني، ثم انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقام ثابت بن قيس يخطب الناس».
والشاهد من ذلك: أن مسيلمة انتحل حتى القرآن، فقد ذكر ابن كثير في تفسير سورة العصر: أن عمرو بن العاص قبل أن يسلم وفد على مسيلمة فقال: ماذا أنزل على صاحبكم –أي: على النبي صلى الله عليه وسلم- قال: أنزلت عليه سورة قصيرة: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾[العصر:1-2]، ففكر مسيلمة الكذاب وقال: وأنزل عليّ مثلها، قال: وما هو؟ قال: (يا وبر يا وبر ما أنت إلا أذن وصدر) وبدأ يكذب، أي: أنزل على مسيلمة مثله، يريد ينتحل حتى القرآن يدعي أنه نبي، وأنه أنزل عليه قرآن، و ابن صياد صبي من الصبيان يلعب في الصبيان ينتحل النبوة وينازع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، قال ابن مسعود كما في الصحيح: «مررنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى ابن صياد يلعب مع الصبيان، فانطلق الصبيان تفرقوا وبقي ابن صياد صامداً غير مبالي ولا متهيب، ولا خجل من رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه الشر، فقال: أتشهد أني رسول الله، قال: لا، بل أنت تشهد أني رسول الله -هذا ابن صياد يقول للنبي صلى الله عليه وسلم!- فأخذ عمر سيفه ليضربه، قال: دعه إن يكن هو فلا تسلط عليه»، وفي الحديث الآخر: «قال: لن تعدو قدرك»، صبي ينتحل النبوة، عبهلة العنسي وعدد من الذين انتحلوا النبوة حتى إن المختار بن أبي عبيد الثقفي عمل وسيلة لانتحال النبوة مخططاً واسعاً؛ وذلك المخطط أنه استغل مقاتلة قتلة الحسين، وفعلاً سلطه الله عليهم على قتلة الحسين رضي الله عنه، وبعد ذلك حين تمكن فجاء الناس إلا وهو يدعي النبوة، فسلط عليه ابن الزبير وقتله، أمور عجيبة من انتحال النبوة و انتحال الفتن كما هو حاصل.
والمنافقون أيضاً لهم عدة حالات في الانتحال، فقد انتحلوا أموراً كثيرة أبانها الله في سورة البقرة وسورة المنافقين، قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾[البقرة:11-12].. ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾[البقرة:14-15]، فهم أصحاب تلون ينتحلون دعوى الإيمان ظاهراً وقلوبهم تجيش وتغلي على الإيمان وأهله باطناً، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾[البقرة:204-205].
هذه نماذج يسيرة من أمر الانتحال والتلصص على الدعوات أو كذلك على الأنبياء، أو كذلك على الكتب لقصد التأكل، ولقصد الفتنة وبغير حق.
الخطبة الثانية:
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيجب على المسلم أن يلازم تقوى الله عز وجل وأن يبتعد عما يكون مذمة له في الدنيا وفي الأخرى، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المتشبع بما لم يعطَ كلابس ثوبي زور»، ومعناه: أنه انتحل ذلك التشبع انتحالاً ليس هو من أهله، وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سيكون أناس يسبغون بالسواد –يسبغون لحاهم بالسواد- كحواصل الحمام لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا»، وهذا فيه أيضاً تهديد للانتحال، فهو رجل ما هو شاب قد شمطت لحيته، ثم يذهب ينتحل تلك الخلقة؛ تلك الكيفية ويغير لحيته إلى سوداء، مجرد انتحال فعاقبه الله وتوعده بهذا الوعيد، وحتى أيضاً انتحال القدرات التي آتاك الله لا تنتحلها إلا في طاعة الله سبحانه وتعالى: فقد ثبت عن جماعة من الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع؟ عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟ وعن علمه ماذا عمل به؟»، فإذا انتحل هذه الأمور في غير موضعها فإن الله سائله يوم القيامة: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾[عبس:34-35]، يسأل الإنسان عن انتحاله وماذا صنع في هذه الأمور؟ نعم، ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها في سبب نزول قول الله عز وجل: «﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾[النساء:3]، قالت عائشة رضي الله عنها: هي اليتيمة تكون في حجر الرجل يعجبه جمالها ومالها فيتزوجها ولا يقسط لها كما يعطى نساؤها»، فأنزل الله هذه الآية دفعاً لانتحال تلك السيطرة، فهو بما أنه مالك لتلك اليتيمة انتحل قدرته عليها بأن حرمها مما تعطى النساء واستغل جمالها ومالها، فلهذا حرم الله ذلك، وهكذا في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم: «نهى عن الشغار»، قال نافع: والشغار هو أن يزوج الرجل ابنته الآخر على أن يزوجه ابنته بغير صداق بينهما أو يزوجه أخته على أن يزوجه أخته بغير صداق بينهما، وهذا في الحقيقة انتحال لبضع امرأة واستغلال لبضع امرأة مقابل استفادته من البضع الآخر، فلهذا صار هذا الزواج محرماً في دين الله، صار باطلاً، نعم.
و اليهود انتحلوا ما آتاهم الله من القدرات والفهم في كثير من الاحتيالات الدينية فصارت تلك الاحتيالات مذمة عليهم ولم يستفيدوا منها؛ لأنهم لم يسخروا قدراتهم إلا في انتحال الباطل حتى ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ترتكبوا ما ارتكبت يهود فتستحلوا ما حرم الله بأدنى الحيل»، وفي الصحيحين عن عمر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال عمر: «لعن الله اليهود والنصارى حرم الله عليهم الشحوم فذابوها وباعوها وأكلوا أثمانها»، ورفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، نعم، «ونهاهم عن الاصطياد في يوم السبت»، وذهبوا يستغلون ما آتاهم الله من الفهم في ذلك بحيلة بطّالة ووضع الشباك في البحر يوم السبت، وأخذوا السمك يوم الأحد؛ وبسبب هذا الانتحال والحيل: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾[البقرة:65]، جعلهم الله قردة خاسئين.
وأوتي بيهوديين رجل وامرأة قد زنيا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما تجدون في التوراة؟ قالوا: لا نجد فيها إلا التحميم والتجبيه وأن يضربا -وقد اصطلحوا فيما بينهم على أمر يجمع الوضيع والشريف وتركوا حكم الله، الذي أنزله الله عليهم في التوراة- قال عبد الله بن سلام كذبتم: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾[آل عمران:93]، فأتوا بالتوراة، فجاء مدراس التوراة الذي يعلمها ويدرسها ووضع كفه على آية الرجم، قال: ارفع يدك، وإذا بآية الرجم بينة قرأها ابن سلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما، وجعل اليهودي يحنأ على المرأة يقيها الحجارة»، في الصحيح من حديث ابن عمر رضي الله عنه.
الشاهد: أن كل هذه الأمور التي حصلت في بني إسرائيل أنها ضاربة بأطنابها بين المسلمين من أمور الانتحال وأمور التلون، فعلينا وعلى إخواننا المسلمين وفقهم الله بالتوبة إلى الله عز وجل وبالصدق، وبملازمة الحق، وبالله التوفيق. والحمد لله رب العالمين.