نسخة الجوال
ترجمة الشيخ
الفتاوى
الصوتيات
المقالات
المكتبة العلمية
الفتاوى الصوتية المفرغة
إرسل سؤلاً
اتصل بنا
الصوتيات -> خطب ومحاضرات متنوعة
عنوان الملف بعض شرح حديث حفت الجنة بالمكاره
تاريخ إضافة الملف 19/03/2009
عدد المشاهدات( 6883 ) عدد مرات التنزيل( 798 )

[بعض شرح حديث حفت الجنة بالمكاره(169)]

خطبة جمعة بتاريخ: (29 رجب 1429هـ)
(للشيخ العلامة المحدث: أبي عبد الرحمن يحيى بن علي الحجوري -حفظه الله تعالى-)
================================
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾[آل عمران:102]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾[النساء:1]،﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾[الأحزاب:70-71].
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أيها الناس! أعلمنا رب العالمين سبحانه وتعالى، وأخبرنا بأخبار عظيمة: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾[النساء:122]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾[النساء:87]، فهذا الإعلام والإخبار يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار، قال رب العزة سبحانه وتعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾[الحديد:20]، في هذه الآيات إعلام من الله سبحانه وتعالى بأمور، في هذه الآية إعلام من الله سبحانه وتعالى بأن هذه الدنيا لعب، يلعب فيها كثير من الناس ويلهو فيها وبأنها لهو أيضاً، وبأن السبب في هذا اللعب واللهو هو تزينها لهم، (وزينة) فيها زينة وزخارف لعب ولهو وزينة، وبأن السبب أيضاً في ذلك هو التفاخر، (تفاخر بينكم) كل يفخر على الآخر، هذا يفخر بولده وذلك يفخر بماله، وذاك يفخر بجاهه، وذاك يفخر بمنصبه، وذاك يفخر بكبر سنه، وذاك يفخر بشبابه، وذاك يفخر بجماله، وذاك يفخر بأهله، وهكذا تفاخر بينكم، هذا شأن الحياة الدنيا.
أيضاً (وتكاثر) مما يسبب الفتنة بها التكاثر ﴿وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ﴾[الحديد:20] كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس: «لو أن لابن آدم واد من ذهب أحب أن يكون له واديان، ولو كان له واديان أحب أن يكون له ثالثاً، ولن يملأ فاه إلا التراب ويتوب الله على من تاب» وادي من مال سواء من ذهب أو من غيره، فما يزال التكاثر حاصل هذه هي حقيقة الدنيا وأهل الدنيا.
ثم وصفها رب العالمين سبحانه وتعالى وبين حقيقتها بقوله: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾[الحديد:20]، وبعد هذه الآية بعد أن بين حقيقة الدنيا بياناً شافياً كافياً لا مزيد عليه، حث على الحياة الحقيقية، والحياة النافعة الدائمة المستمرة بقوله: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾[الحديد:21]، هذا حث بعد تنفير وترغيب بعد تحذير، حذر الله من الدنيا ومن زخارفها ومن اللهو بها والاغترار بها، ثم حث ورغب وألزم وأوجب بالمسابقة إلى ما ذكر في هذه الآية من النعيم المقيم، ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ[الحديد:21]، وفي الآية الأخرى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾[آل عمران:133-134]، وصفت هذه الآيات الجنة وصفاً جميلاً، وهناك أوصاف في سورة الرحمن من أراد أن ينظر إلى الجنة يقرأها كأنه يراها رأي العين، وقد ثبت عن ابن عمر ما يدل على ذلك.
وصفت هذه الآيات الجنة وأنها أعدت للمتقين، هذه الجنة المذكورة في هذه الآيات والتي رغب الله سبحانه وتعالى فيها وحث عليها معدة لأناس سعداء، لأناس اختارهم الله سبحانه وتعالى وميزهم وفضلهم على كثير ممن خلق تفصيلاً، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم واصفاً أصحابها بأنهم جوار رب العالمين: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾[القمر:54-55]، فأصحاب الجنة الذين حثهم عليها هم يوم القيامة جوار رب العالمين سبحانه وتعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾[القمر:55]، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم مبيناً ما أعده الله عز وجل للمؤمنين ومحذراً من هذه الدنيا دار المغرورين ثبت من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «موضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها، والغدوة والروحة في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها» يا سبحان الله! ما أصغر السوط، سوط بيد إنسان موضعه في الجنة خير من كل الدنيا ما هذه الدنيا؟! ما كنوزها.. ما أنهارها.. ما أشجارها.. ما أبكارها؟ كلها حقيرة، موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما عليها! موضع عصا واحد من الناس ما هي عدة عصي عصا واحد، موضعه في الجنة خير من الدنيا وما عليها! والناس يتهالكون ويتكالبون ويتقاطعون ويتناحرون من أجلها!
وما ينظرون إلى موضع السوط الواحد كيف بموضع بيت كيف بمد البصر كيف بما أعده الله عز وجل للمؤمنين مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر: -قال في الحديث حديث أبي هريرة- اقرءوا إن شئتم: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[السجدة:17]».
كم من الذين ينبهرون بالبنيان الراقية والحدائق الغنة، والأموال الطائلة، ويعجبون بها، ومن أجلها يفتنون،كم؟ رب إنسان إذا ذهب إلى دول الغرب ونظر إلى ما فيها من الدنيا والبهرج صار مفتوناً بها طيلة عمره، حتى ربما يلقى الله على تلك الفتنة.
فيا أخي موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما عليها، موضع عصا في الجنة خير من الدنيا كلها، بقصورها وأنهارها، وأشجارها وبحارها وبرها وكلما فيها، كلما هب ودرج على هذه الدنيا موضع سوط في الجنة خير منه.
صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين عن سهل بن سعد رضي الله عنه: «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة»، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحفر في الخندق وأصحابه جياع وعندهم من الألم ما عندهم من الجوع، ويضايقهم أحزاب الكفار من كل جانب، وهكذا أيضاً ما يعانون فيه أيضاً من الأتعاب والحفر ولكن مثل هذه الكلمة كانت في غاية التسلية لهم «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة» مهما حصل من عيش في هذه الدنيا فهو زائل وعيش الآخرة هو الدائم «فاغفر للأنصار والمهاجرة» أي: اغفر لهم حتى يحصلوا على ذلك العيش الدائم، وحتى يتخلصوا من هذا العيش الزائل، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه في صحيح مسلم، أنه عليه الصلاة والسلام قال: «يؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة ثم يغمس في الجنة يدخل الجنة يغمس فيها غمسة يقال: يا ابن آدم هل مر بك بؤس قط؟ هل رأيت شدة قط؟ فيقول: لا يا رب ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط» كل هذا زال مجرد دخلة واحدة في الجنة، بل ربما مجرد نظرة إليها وإلى ما أعد الله إلى أهلها، يزول كل التعب والنصب والأذى والبلاء والمرض والسقم وما حصل كلما حصل في هذه الدنيا وربما حصل عليه ما لا يعلمه إلا الله.
ولكن هناك ما يجعل ذلك كله يسيراً بجانب ما أعد الله للمؤمنين، إن هذه الجنة التي يقول الله سبحانه وتعالى فيها في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ * فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ * وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ * يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ * وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ * وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾[الطور:17-25] الآيات.
ويقول: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ * وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ * لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾[الحجر:47-48]، والتي يقول الله سبحانه وتعالى فيها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾[الكهف:107] أي: ضيافة وإكراماً، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾[الكهف:108] أي: لا يرجون ولا يريدون تحولاً، مهما كان حال الإنسان قد يمل لكن الجنة ليس فيها ملل، ولا يحتاج الإنسان أن يتحول منها، وما ذلك إلا للنعيم الدائم.
﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾[الرعد:35]، ويقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ * وَظِلٍّ مَمْدُودٍ * وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ * وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ * وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ * إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا * لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾[الواقعة:27-38].
وهكذا كم تقرأ في وصف الجنة الذي موضع سوط واحد فيها خير من الدنيا وما عليها موضع سوط واحد، هذه الجنة لا شك أن الوصول إليها ليس بيسير إلا على من يسره الله سبحانه وتعالى عليه، لما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم: «جاءه رجل فقال: يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ويباعدني عن الناس، قال: لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه تعبد الله لا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت، ثم قال: ألا أدلك على رأس الأمر ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قال: بلى، قال: رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد، ثم قال: ألا أدلك على ملاك ذلك كله؟ قال: بلى، قال: امسك عليك هذا، ومسك النبي صلى الله عليه وسلم بلسانه قال: يا رسول الله! إنا لمؤاخذون بما نتكلم به، قال: ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس على وجوههم أو قال: على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم»، يكبون في النار بسبب ما تحصده الألسن، وبعد تلك الأوامر وتلك الإرشادات كلها أعطاه ملاك ذلك كله، أي: أن هذا زمام الأمر، وهو هذا اللسان.
ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يضمن لي ما بين لحييه-أي: اللسان- وما بين فخذيه-أي: الفرج- أضمن له الجنة»، هذه ضمانات الله سبحانه وتعالى.
والضمانة الثانية أيضاً، «من يضمن لي ألا يسأل الناس شيئاً أضمن له الجنة» ضمانة العفة، أن من استعف عن أعراض الناس وعن أموال الناس أن هذه مضمون له بضمانة رسول الله صلى الله عليه وسلم الجنة، وأيضاً ضمانة أخرى، زعيم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفيل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أنا زعيم ببيت في الجنة في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه»، هذه ضمانة ثالثة أيضاً لأصحاب حسن الخلق، ضمانة من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين هم أقرب الناس منزلة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في حديث جابر رضي الله عنه قال: «إن أقربكم مني منزلة يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً»، وأنتم تعلمون منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما دل عليه عبد الله بن عمرو أنها الوسيلة.
فمن أراد أن يكون قريباً من رسول الله صلى الله عليه وسلم في منزلة عليا يوم القيامة فليأخذ بهذا الإرشاد إرشاد رسول الله صلى الله عليه وسلم من حسن الخلق، قد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أكثر ما يدخل الجنة تقوى الله وحسن الخلق، وأكثر ما يدخل به العبد النار أو العباد النار الفم والفرج»، جاء من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ولا شك والحديث ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
إن هذه الجنة عباد الله! التي سبق الإلماح إليها وإلى ما أعد الله لأهلها هذه الجنة حفت بالمكاره حجبت بالمكاره محجوبة، هذه الجنة محجوبة لا يصل إليها إلا من اخترق تلك الحجب التي حجبت بها الجنة، الجنة محجوبة والنار مكشوفة، نعم.
فتلك الحجب من تلك الحجب الذي من اخترقها دخل الجنة هو الصبر على توحيد الله وإقامة دين الله وعبادة الله سبحانه وتعالى، والبعد عن الشرك بالله سبحانه في كل صغير وكبير ودقيق وجلي فمن حقق ذلك فقد اخترق حجاباً عظيماً في الوصول إلى الجنة لقول الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾[الأنعام:82]، وقول الله عز وجل: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾[البقرة:25]، وذروة العمل الصالح توحيد الله عز وجل، ولقول الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾[الأنبياء:25] ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾[النساء:36]، الآيات، ولقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾[البقرة:21-22].
كل هذه الآيات تدل على أن من حقق توحيد الله فقد أتى بما أمر به، وفي الصحيحين عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه لا يشركوا به شيئاً، وحق الله على العباد ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً»، بل في حديث عبادة مزيد على ذلك، أي أنه يدخلهم الجنة على أي عمل كانوا عليه ففي الصحيحين عنه رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل».
ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم في طريقه في غزوة تبوك وقل عليهم الطعام والشراب بل لم يبقَ إلا الشيء اليسير أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: «يا رسول الله! لو أذنت لنا نحرنا بعض نواضحنا فأكلنا وادهنا فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا رسول الله! إن أذنت لهم نحروا بعض نواضحهم قلّ الظهر ولكن يا رسول الله ادعهم بفضل أزوادهم ثم ادع الله عليها -فاستصوب النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرأي- ودعاهم بفضل أزوادهم وجمعوها في نطع –أي: على بساط- ودعا النبي صلى الله عليه وسلم عليها الله، وجعل الله فيها البركة، أكلوا حتى شبعوا وما بقي إناء في المعسكر أو مع الجيش إلا ملئوه»، ملئوا جميع أوعيتهم من ذلك الطعام من التمر وغيره،من كل ما أتوا به من كل نوع أتوا به، امتلأت أوعيتهم بفضل الله سبحانه وتعالى ثم بدعاء رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «.. أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله أحد بها غير شاك بها فيحجب عن الجنة» يا لها من منقبة عظيمة!
هذا لا شك أنه أعظم شيء تخترقه إلى الجنة إن أنت حققت توحيد الله سبحانه وتعالى واجتنبت الشرك بالله، قال الله سبحانه وتعالى في كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾[النساء:116].
الحجاب الثاني: تقوى الله سبحانه وتعالى لا شك أن التقوى هي جعل وقاية يجعل العبد وقاية بينه وبين عذاب الله، فمن اتقى الله فقد اخترق حجاباً عظيماً إلى الجنة، يصل به إلى الجنة بإذن الله سبحانه كما تقدم ذكر بعض الآيات وكما في حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم في منى فقال: «اتقوا الله ربكم وصلوا ربكم خمسكم وصوموا شهركم وحجوا بيت ربكم»، زيادة جاءت «وأطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنة ربكم ..» الحديث، وأول هذه الألفاظ (اتقوا الله ربكم) أمرهم بتقوى الله، فالله سبحانه وتعالى قد أعد للمتقين ما تقدمت به الأدلة من القرآن ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾[الذاريات:15-21].
الحجاب الذي يليه مما ينبغي الإنسان أني يخترق تلك الحجب إلى الجنة حجاب عظيم وهو حجاب الطهارة، أن الإنسان إذا أدى هذه الطهارة كما أراد الله سبحانه فإن هذا مع المشقة أو التعب في برد الليل أو النهار يكون قد اخترق طريقه وشق طريقه إلى الجنة ففي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى البردين دخل الجنة»، وما ذلك إلا أن العصر فيها برد النهار، والفجر فيها برد الليل، والإنسان يحتاج في خلال صلاته أو قبل ذلك أن يتوضأ ويمس الماء البارد، وما إلى ذلك فهذه الأتعاب التي أنت تعانيها وتقاسيها من أجل مرضاة الله سبحانه اختراق حجاب إلى الجنة «بشر المشاءين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة»، نور تام يوم القيامة﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾[الحديد:12] الآيات، كل ذلك اختراق إلى الجنة، هذه حجب الجنة عباد الله، من أراد أن يخترقها فإنه يخترقها بالأعمال الصالحة ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾[يونس:9]، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾[يونس:26-27].
ألا أيها الناس! هذه الجنة محفوفة بالمكاره محفوفة بالأتعاب محفوفة بالابتلاء ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾[محمد:31]، ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾[البقرة:214]، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾[الملك:1-2]، ابتلاء أيام قلائل يبتلي الله فيها العبد ويمحصه ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾[آل عمران:141]، الكفار: ﴿يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾[محمد:12]، وأنت تمحص بالابتلاءات وبالأمراض وربما الأسقام والأتعاب والأذى من أجل الله سبحانه وتعالى هي جنة، هي جنة عرضها السماوات والأرض، لا شك أن هذه الحجب تحتاج إلى أتعاب من بر الوالدين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رغم أنف.. رغم أنف –ثلاثاً- من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كلاهما ولم يدخل الجنة..».
تحتاج إلى اختراق بالطهارة، بالطهارة روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في إسباغ الوضوء: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات -أي: في الجنة- قالوا: بلى يا رسول الله قال: إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة ذلكم الرباط ذلكم الرباط»، أنت تريد أن يرفعك الله فوق كثير من خلقه ويفضلك تفضيلاً يخترق هذه الحجب، قال النبي صلى الله عليه وسلم كما روى مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما: «من توضأ فأسبغ الوضوء ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً رسول الله فتحت له أبواب الجنة الثمانية»، وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أنفق زوجين في سبيل الله دعي يوم القيامة من أبواب الجنة الثمانية كلها: يا عبد الله هذا خير، يا عبد الله هذا خير فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الريان ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد -خاب من لا باب له- قال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله! أعلى أحد من ضرورة أن يدعى من تلك الأبواب؟ قال: ليس عليه من دون ضرورة وأرجو أن تكون منهم» أي: أبو بكر يرجى أن يكون منهم، هذا الذي يتنافس فيه.
﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾[المطففين:22-26].
الخطبة الثانية:
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة»، فعلم بهذا الحديث أن الحج المبرور -الحج الصحيح- الذي لا رفث ولا فسوق ولا جدال بباطل، أن هذا اختراق عظيم إلى الجنة، وأن هذا تعتبر اختصار إلى الجنة بسائر الأعمال، ولما جاء عمرو بن العاص رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبايعه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما علمت يا عمرو أن الإسلام يهدم ما قبله، وأن الهجرة تهدم ما قبلها وأن الحج يهدم ما قبله».
أعمال الجنة كثيرة، والحجب دونها كثيرة حجبت هذه الجنة بالمكاره، فمن من شيء يشق عليك من طاعة الله وأنت تخترقه من صلة الأرحام أو حسن الجوار أو طلب العلم أو غير ذلك إلا وتعلم أنك تسير فيه إلى الجنة، روى مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة»، ولهذا انظروا عباد الله! ما أقل طلاب العلم المخلصين.. وما أقل طلاب العلم العلماء، الذين يصيرون علماء، طلاب العلم الذين يتفقهون في دين الله قليل بالنسبة لغيرهم، وأقل منهم من يطلب العلم بإخلاص وأقل منهم بمرات من يطلب العلم ثم يصير عالماً نافعاً للمسلمين، وما ذلك إلا أن الطريق شاق، طريق طلب العلم ليس بالأمر الهين، طريق ليس بالسهل، طريق الجنة، والجنة حفت بالمكاره، فمن اخترق هذا الطريق وصبر عليها واجتهد في التوصل إلى طاعة الله منها فإنه اخترق باباً عظيماً إلى الجنة: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾[المجادلة:11]، الناس ربما يوم القيامة يغبطونه على تلك الدرجات، إنها الجنة «إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف فوقهم يوم القيامة كما تتراءون الكوكب الغابر في الأفق، قالوا: يا رسول الله! تلك منازل الأنبياء؟ قال: بلى، أناس آمنوا بالله وصدقوا المرسلين».
قال الله سبحانه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾[آل عمران:18]، هؤلاء أناس صار الشهداء على أعظم مشهود هؤلاء أناس صاروا يوم القيامة علماء في الدنيا علماء ويوم القيامة علمهم لا يزال معهم، يحتجون به على أهل الباطل يعقلون الأمور، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾[العنكبوت:43]، وقال الله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾[الروم:56].
فهذه طريق يحتاج إلى صير عليه من أجل أن يصير الإنسان إلى ما أعده الله لأهله يقول الله سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾[السجدة:24]، فمن لم يستطع أن يصبر على ذلك ما يصير، ما يستطيع يخترق هذا الحجاب أبداً وتختلجه الشبهات والشهوات وتنقطع به الطريق في المسافة، تنقطع الطريق عليه ولا تدري إلا وقد ذهب إلى دنيا، أو ذهب إلى فتنة أو ذهب إلى بدع وخرافات أو غير ذلك مما لا يعلمه إلا الله.
اصبر أيها المسلم! اصبر على تفهم دينك، واصبر على هذه المنقبة العظيمة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقال لقارئ القرآن يوم القيامة اقرأ ورتل وارتقِ فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها»، من الذي ينفعه هذا؟ ما ينفع كل قارئ، بل بعض القارئين ربما يكون القرآن حجة عليهم، وإنما ينفع أهل القرآن: «يؤتى بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تقدمه البقرة وآل عمران تحاجان عن صاحبها» أنت ما تحاج يوم القيامة.
أيها القارئ! أيها المستقيم! أيها العامل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أنت يوم القيامة عندك من يحاج عنك، هذا عندك البقرة وآل عمران تتقدم القرآن كل القرآن حجيج لك، ولكن هي مقدمتان تحاجان عن صاحبهما عن العامل بهما ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[السجدة:16-17]، والحمد لله.