نسخة الجوال
ترجمة الشيخ
الفتاوى
الصوتيات
المقالات
المكتبة العلمية
الفتاوى الصوتية المفرغة
إرسل سؤلاً
اتصل بنا
الصوتيات -> خطب ومحاضرات متنوعة
عنوان الملف بديع التفسير لقول الله تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير)
تاريخ إضافة الملف 22/03/2009
عدد المشاهدات( 4038 ) عدد مرات التنزيل( 767 )

[بديع التفسير لقول الله تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير (173)]

خطبة جمعة بتاريخ: (5 رمضان 1429هـ)

(للشيخ المحدث: أبي عبد الرحمن يحيى بن علي الحجوري -حفظه الله تعالى-)

===============================

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾[آل عمران:102]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾[النساء:1]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾[الأحزاب:70-71].

أما بعد:

فيقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾[فصلت:33].

في هذه الآية: أنه لا أحسن قولاً ممن يدعو إلى الله، ويوافق قوله فعله، فهذه الآية من باب اقتضاء العلم العمل، ومع ذلك يجهر ويصدع بما هو حق بقوله: ﴿وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾[فصلت:33], ويقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾[النحل:125], فأبان سبحانه: أن الدعوة تكون إلى سبيل الله سبحانه وتعالى، إلى سبيل رب العالمين، وأنها تكون بالحكمة، وأنها تكون بالموعظة الحسنة، وأنها تكون بجدال من يستحق الجدال بالتي هي أحسن، فإذا كان الجدال بالتي هي أحسن في سياق ذكر الكافرين فهو أجدر به ما يكون في حق المؤمنين.

هذه الآيات فيها بيان أمر الدعوة إلى الله عز وجل التي سلكها الأنبياء، والتي كانت على بصيرة وهدى قال الله عز وجل: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾[يوسف:108], فرسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر من اتبعه يدعون إلى الله، وكل من اتبعه اتباعاً صحيحاً يدعو على بصيرة –أي: على علم- وكلهم يدعون إلى تنزيه الله عز وجل وتعظيمه: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّه ِ[يوسف:108], أي أنزه الله سبحانه وتعالى, وكلهم يدعون إلى توحيد الله: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾[يوسف:108], وهذا بيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: يبين للناس أنه يدعو إلى توحيد الله، ولا يدعو إلى شركه، ولا هو من دعاة الشرك -والعياذ بالله-.

هذه الآيات: تبين طريقة الدعوة النافعة، فإن كثيراً من طلبه العلم إذا أراد أن يخرج دعوة يلتبس عليه الأمر، ويكثر الأسئلة عن ذلك، كيف تكون دعوتنا.. وإلى ماذا ندعوا؟ وماذا نقول للناس وبلادنا بحاجة إلى دعاه وفيهم جهل، وعندنا كذا.. وأوضاعنا كذا، فهذه هي سبل الدعوة التي سلكها الأنبياء: أن تكون مرتكزها الدعوة إلى الخير، قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ[آل عمران:104], فكل خير تدعو إليه هو من دعوة الأنبياء، وهكذا إلى الأمر بالمعروف أي: الشيء الواضح بالكتاب والسنة بدون التباس، المعروف هو الواضح عند الناس المعلوم بالكتاب والسنة والمعلوم حقاً.

﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ[آل عمران:104], (المنكر) فإنكار المنكر من دعوة الأنبياء، ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[آل عمران:104].

فهكذا أمر الله سبحانه وتعالى العباد أن يدعوا إلى الخير، وأن يسلكوا في دعوتهم إلى الخير كما في هذه الأمور المذكورة في الآية، فمن سلك هذا المسلك فقد دعا بدعوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

فيا أيها المسلم.. يا أيها الداعي إلى الله! كل المسلمين يجب أن يكونوا دعاةً إلى الله، كل بقدر ما يستطيع، ولكن هناك تفاوت في قدرات وفتوى وأمور أخرى لا يحسنها إلا ذوو الشأن، أما الدعوة إلى الإسلام والحث عليه فإن هذا واجب كل مسلم: أن يدعو إلى الخير، وأن يدعو إلى دين الله يعبد الله عز وجل ويدعو إلى ذلك: ﴿وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾[فصلت:33]، واجب كل مسلم.

وبهذا كانت هذه الأمة أخير من الأمم الماضية، فالأمم الماضية في بعضهم خير قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾[آل عمران:113-115], دل هذا: أن منهم من كان على خير، وفعلاً منهم عبد الله بن سلام، وحتى في أزمنتهم أيضاً، أتباع رسلهم كانوا على خير، وكانت فيهم هذا الأوصاف المذكورة في سلوك دعوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

فأنت أيها المسلم إذا أردت الخير فاسلك دعوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، واعلم: أن هذه الأمة امتازت على تلك الأمم بكثرة الخير فيها وكثرة الدعاة فيها إلى الخير: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ[آل عمران:110], خير أمة هذه الأمة، والسبب في خيريتها ما فسر في الآية نفسها: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ[آل عمران:110], هذه الأوصاف حصلت في بعض الأمم الماضية، لكن لم تتحقق في أمة من الأمم كما تحققت في هذه الأمة؛ فلهذا كانت الخيرية فيها أكثر من غيرها بسبب ما قامت به من الإيمان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ﴿وَلَوْ آمن أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ[آل عمران:110], أي أن الإيمان موفر في هذه الأمة أكثر من غيرها، لو آمن أولئك كما آمن هؤلاء لكان خيراً لهم , فالخيرية كلها منوطة بالدعوة إلى الله عز وجل على طريق الأنبياء، ولا ينبغي لأحد أن يتخلى عن هذه الخيرية حتى ولو بالدلالة على الخير، فهذه تعتبر خير كثير، ثبت في صحيح مسلم عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من دل على خير كان له مثل أجر فاعله», مجرد الدلالة على الخير وأن تدل الناس على الهدى.. على الإسلام.. على السنة.. على العلم.. على الاستقامة.. على جليس الخير.. على الجليس الصالح.. على أبواب الخير، هذه الدلالة تستفيد من ورائها عظيماً من الأجور.

فتأمل هذه الدعوة! حين تدل إنسان على الخير وعلى الهدى ثم سلك ذلك الخير، وولده يسلك ذلك الخير، وأهله سلكوا ذلك الخير بدعوته.. وهكذا رُب أمم يسلكون ذلك الخير بدعوة ذلك المدعو، والدال من قبلك على الخير.. كل من دله ذلك الشخص أو دله من اتبع ذلك الشخص إلى ما لا يحصي عددهم إلا الله سبحانه وتعالى فإن لك من وراء ذلك ومن وراء تلك الأجور كلها أجوراً: «الدال على الخير كفاعله», «من دل على هدى كان له من الأجر مثل أجر من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً».

هذا كله يدل على فضل الدعوة الصحيحة النافعة إلى الله سبحانه وتعالى، وأن الدعوة إذا انحرفت عن الخير أنها تصير ضرراً على صاحبها: «ومن دل على ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزاذر من تبعه لا ينقص من أوزارهم شيئاً», ونظير ذلك قول الله عز وجل: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾[النحل:25].

وهنا نماذج مما يجب من الخير مما يجب أن يسلكها المسلم وهي أهم الأمور، وإلا فكل دعوة إلى دين الله الحق هي دعوة إلى الخير، فمن ذلك الخير: دعوة الناس إلى تصحيح النية وتصحيح العمل، فإن هذا خير لهم للداعي والمدعو قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾[محمد:21], أي: أنهم لو صدقوا الله وأخلصوا العمل له وصححوا نواياهم لكان خيراً لهم، وليس هناك خير أعظم من تصحيح النية.. وتصحيح القصد.. وتصحيح العمل لله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾[البينة:5], هذا هو الدين الذي أرسل الله الرسل وأنزل الكتب من أجله، دين القيمة: الدين القائم.. الدين الحنيف هذا هو، فادعُ الناس إلى تصحيح نواياهم ومقاصدهم، هذه الدعوة الصحيحة، مبدئياًَ دعوة المرسلين فما من رسول إلا ودعا الناس إلى ذلك: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾[الأنبياء:25], ويقول الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾[الزمر:11].

فتكون الدعوة إلى الخير إلى تصحيح نوايا المسلمين، ونوايا العباد، فأن هذه إذا صلحت صلحت سائر أحوالهم يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ[الأنفال:70], فالله أوحى إلى نبيه أن يدعو الأسرى بين يديه، وبين يدي أصحابه إلى تصحيح النية، فأن الله إن علم من عبد صدق النية والطوية أعطاه أضعاف ما قد يؤخذ منه من الفداء، أو قد ما يحصل له من الأذى: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾[الأنفال:70].

جاء في تفسير هذه الآية: أنها نزلت في العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه: أنه أخذ منه فداء كثير حين أسر فأنزل الله عز وجل الآية بعد أن أسلم قال: فأعطاني الله بدل عشرين من ذلك من الدراهم -عشرين أوقية- عشرين عبداً، أي: بدل ما أخذ منه أكرمه الله سبحانه وتعالى، فمن علم الله من قلبه الصدق والنية الصحيحة، والقصد الحسن أكرمه الله على ما علم من قلبه: «أن الله لا ينظر إلى أموالكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم», ادعُ الناس إلى فعل الخير فإن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[الحج:77], هذا هو سبيل الفلاح: الركوع.. والسجود.. وعبادة الله سبحانه وتعالى وفعل الخير، عموم بعد الخصوص، فإن من أراد الفلاح لنفسه يسلك ذلك، فإذاً: من دعا إلى ذلك كان داعياً إلى الخير: و﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾[آل عمران:104]، ادعُ الناس إلى الصيام –صيام رمضان-، وإلى قيامه، وكذلك أيضاً إلى الصلوات، وإلى سائر عبادة الله عز وجل، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أنفق زوجين في سبيل الله نودي يوم القيامة من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير..» من عدة أبواب، أبوابها الثمانية مفتحة، وهذا العبد الداعي إلى الخير المنفق في سبيل الخير يدعى.. من هذا الباب.. ومن هذا الباب.. من كل الأبواب الثمانية «يا عبد الله هذا خير» أي: الدخول من هنا! هنا خير ادخل من هذا المكان «فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة» أي: المكثرين منها، المتعبدين لله سبحانه وتعالى بالنوافل على ما جاءت به الأدلة بدون زيادات ولا نقصان، بدون استحسانات في شرع الله عز وجل: «ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد»، وباب الصيام: يقال له الريان، وباعتبار أن الصائمين يعطشون، فلهذا سمي بابهم: باب الريان، «هذا خير»، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾[البقرة:183-184] أي إنسان يتطوع خيراً هو خير له، أنت لا تعمل إلا لنفسك: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾[الزلزلة:7-8]، ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾[البقرة:184]، هذه الآية نزلت قبل أن يكون صيام رمضان فرضاً على كل مسلم، وأنه من أراد أن يصوم صام، ومن أراد أن يفطر يفطر، ويطعم عن كل يوم مسكيناً بدلاً من صيامه، وبعد ذلك نزل العزم، ونزل الأمر الجازم بأنه يصام رمضان، فالخيرية في ذلك بعد فرضيته على كل مسلم أفضل وأعظم: «وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه، ولا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به..» الحديث.

الشاهد من هذا: أن دعوة الناس إلى هذه الأعمال دعوة إلى الخير، ادعُ الناس إلى تقوى الله، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ﴾[التغابن:16]، كل هذا خير، أي شيء تدعو إليه من هذه الأمور فهو خير لك، وللداعي وللمدعو، ادعُ الناس إلى التفقه في دين الله عز وجل، فإن هذه الدعوة إلى الخير، ففي الصحيحين عن معاوية رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين»، فإذا فقهه في الدين نلتَ الخير من وراء دعوتك لذلك الشخص الذي تفقه في دين الله، فهذا خير، تعليمك خير، رعايته خير، الحث عليه خير، نعم.

كل ما يدل على ذلك فهو خير، ثبت عن أبي أمامة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرضين حتى النملة في جحرها والحيتان في البحر ليصلون على معلم الناس الخير»، يا سبحان الله كم في السماء من أمم.. وكم في الأرض من أمم.. وكم في البحار من حيتان.. وكم في الدنيا من نمل.. وكم في الوجود -في الكون من أمم- كل هذه الأمة تصلي على معلم الناس الخير، وما ذلك إلا أن الخير بابه خيره، وأن من أراد سد هذا الخير، فإنه عنيد، يجب أن يحذر منه، قال الله سبحانه: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ﴾[ق:24-25]، مناع للخير، سواء منع الخير أو صد عنه: ﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾[النحل:94].

ادعُ الناس إلى الصدق، فإن الصدق يعتبر خيراً للعباد: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾[محمد:21]، سواء صدق مع الناس في التعامل في البيع والشراء، أو الصدق مع رب العالمين سبحانه، فإن الصدق مع الله باعث على الصدق مع العباد، إذا صدق العبد مع ربه وأخلص نيته وقصده، فإن هذا يضبطه بالصدق مع العباد ومع نفسه ومع أولاده ومع أهله: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾[محمد:21].

ادعُ الناس إلى الصبر على طاعة الله، وعلى أقدار الله، وعن معاصي الله، فإن الله سبحانه وتعالى يوفي الصابرين أجرهم بغير حساب، والله يقول: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾[النحل:126]، في هذا الباب إذا أسيء إليك وعاقبت لك هذا، وإن صبرت هو خير لك عند الله وعند عباده: ﴿لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾[النحل:126]، و﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾[النحل:127-128].

الخطبة الثانية:

الحمد لله، نحمده وتستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد:

فمن الدعوة إلى الخير: الدعوة إلى العفة عن أموال الناس، وعن أعراض الناس، وعن دماء الناس.. الدعوة إلى العفة، قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ..﴾[النور:60]، فكل من استعف تلك العفة خير له، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من يتصبر يصبره الله، ومن يستعفف يعفه الله، وما أعطي أحد خير وأوسع من الصبر» فإذا أردت الخير فلازم هذه الأوامر وهذه الدعوة الزمها وادعُ الناس إليها، ادعُ إلى مكارم الأخلاق فإن ذلك خير، وإلى الأدب الشرعي مع الله سبحانه وتعالى بعبادته كما أمر وشرع، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم بتعظيمه وتوقيره واتباع سنته، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾[الحجرات:1]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾[الحجرات:1-5]، دلت هذه الآيات على أن الصبر سنة رسول الله والأدب معه في الخطاب ومع سنته صلى الله عليه وسلم أن هذا خير للعباد، ولا خيرية لهم أبداً إلا بتحقيق هذا الخير.

ادعُ الناس إلى احتساب أجورهم، واحتساب أعمالهم، وأن من عمل خيراً يلقاه، كل خير تعمله تلقاه من قليل أو كثير، أو كل شر تعمله أيضاً تلقاه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾[الزلزلة:7-8]، ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾[الأنبياء:47]، ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾[الكهف:49]، الاحتساب أمر مهم: أن الإنسان يعمل وهو يشعر بذلك العمل عند الله.

قال الله سبحانه: ﴿وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾[البقرة:272]، وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾[الليل:20-21]، ابتغاء الأعمال عند الله سبحانه وتعالى، وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه»، بشرطين: لا تغفر الذنوب إلا بشرطين، الذنوب الماضية كلها تغفر وتزال بصيام رمضان، شهر واحد تسعة وعشرون يوماً أو ثلاثون يوماً بسبب ذلك تغفر الذنوب كلها.. وهكذا قيام رمضان أيضاً تغفر به الذنوب كلها: «ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه»، لكن بشرطين:

الشرط الأول: أن يعمل ذلك إيماناً، وأن هذا فرض فرضه الله على العباد.

والشرط الثاني: الاحتساب، وأن لا يكون غفلة وعادة كما يصوم الناس يصوم، وكما يقوم الناس يصلون القيام والتراويح يقوم.. وما إلى ذلك، وكما يقال: مع الناس يا ناس! لا، وإنما ذلك الفعل يحتسبه عند الله سبحانه وتعالى.

نسأل الله التوفيق لما يحبه ويرضاه.