نسخة الجوال
ترجمة الشيخ
الفتاوى
الصوتيات
المقالات
المكتبة العلمية
الفتاوى الصوتية المفرغة
إرسل سؤلاً
اتصل بنا
الصوتيات -> خطب ومحاضرات متنوعة
عنوان الملف نثر الدر في منافع التذكر
تاريخ إضافة الملف 24/03/2009
عدد المشاهدات( 1764 ) عدد مرات التنزيل( 644 )

 [نثر الدر في منافع التذكر(172)]

خطبة جمعة لعام: (-------)

(للشيخ المحدث: أبي عبد الرحمن يحيى بن علي الحجوري -حفظه الله تعالى-)

=================================

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾[آل عمران:102]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾[النساء:1]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾[الأحزاب:70-71].

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أيها الناس! الفوارق بين المؤمنين والكافرين كثيرة، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾[ص:28]، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾[القلم:35-36]، ويقول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[الأنعام:122]، أي: أن هذا إنما هو تزيين للكافرين أنه يساوى بين الكافرين والمؤمنين هذا مزين لهم زينه لهم شياطينهم، ويقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾[غافر:58]، والمسيء يشمل الكافر ودون الكافر، أي: أنه لا يستوي الكافر والمؤمن بالله عز وجل، وكذلك لا يستوي المؤمن المستقيم وغير المستقيم، المؤمن المستقيم والمسيء.

ومن أعظم الفوارق بين المؤمنين والكافرين وبين المصلحين والمفسدين هو التذكر، فإن المؤمن ليس معصوماً إلا من عصم الله عز وجل، ولكنه إذا ذكر يتذكر، والكافر إذا ذكر لا يتذكر، قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾[الأعلى:14-15]، أي: أنه تذكر وكان ذلك التذكر سبباً إلى أنه يذكر أكثر، وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾[الذاريات:55]، هذا أمر لا شك فيه، أن الذكرى تنفع المؤمنين، وكل من كان مؤمناً تنفعه الذكرى، إذا ذكر يذكر وينفعه ذلك، هذا شأنه، فإنه ربما يصاب بطائف من الشيطان، ولكن ذلك الطائف سرعان ما يزول عنه عند التذكر، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾[الأعراف:201]، ففي هذه الآية أن المتقي إذا أصيب بطائف من الشيطان من وساوس وغفلة، وهكذا ما قد يحصل من معرة الشيطان وفتنته، فإنه يتذكر، وإذا تذكر أسرع الفيئة وإذا تذكر استنار قلبه، وإذا تذكر قويت بصيرته، وإذا تذكر استقام حاله: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾[الأعراف:201]، تذهب عنه الغشاوة ويزول عنه ذلك اللبس بالتذكر، وهذا التذكر شامل لتذكر لقاء الله سبحانه وتعالى، قوله: ﴿تَذَكَّرُوا﴾[الأعراف:201]، أي: تذكروا لقاء الله، وشامل لتذكر الموت، شامل لتذكر الصراط، وتذكر الميزان، وتذكر أخذ الكتاب باليمين أو الشمال، وتذكر فراق الأحبة، وأن يحشر الإنسان وحده، يفر من أبيه وأمه وأخيه وصاحبته وبينه، شامل للتذكر لأمور الآخرة، ولتدبر ما يقدم عليه العبد يوم القيامة، هذا هو شأن المؤمن المتقي؛ أنه ليس بمعصوم إلا من عصم الله عز وجل، فإذا حصلت له زلة أو هفوة تذكر، ووقف مع نفسه ونظر أمامه، تذكر مكثه في الدنيا، وتذكر مكثه في البرزخ، وتذكر مكثه بين يدي الله سبحانه، وتذكر ما يقدم عليه، أجنة هي أم نار، فيا لها من آية عظيمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾[الأعراف:201]، فينفعه ذلك التذكر نفعاً عظيماً، ويبصرهم بصيرة عظيمة، وهذا بيان ما دلت عليه الآية الأولى: ﴿فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾[الذاريات:55]، تنفعه ربما تنقذه من هلكة إلى نجاة أبدية؛ بسبب التذكرة، إما من كتاب الله، وإما من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإما من كلمة عابرة يسمعها من بعض الناس تنفعه، تكون له ذكرى وعظة وعبرة، ويقول الله سبحانه وتعالى واصفاً المؤمنين بذلك: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾[الأعلى:9]، أي: إن نفعت الكافرين ذكرهم، وآية أخرى تدل على أنه يذكر بأيام الله، وأن الأنبياء بعثوا مذكرين بذلك: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾[الغاشية:21-22]، الله وصفه مذكراً وأمره أن يذكر البر والفاجر، وقول الله عز وجل: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾[ق:45]، وقوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾[الأعلى:9] مبين بآيات أخرى أنه يذكر، وأن من استجاب للذكر انتفع، نفعته كثيراً، ومن لم يأخذ الذكرى لم يضر ذلك من ذكر بالله عز وجل.

﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾[الأعلى:10]، فأخبر الله عز وجل أن من كان عنده خشية من رب العالمين سبحانه، ومن عقابه وعذابه، ونقمته وبطشه, والوقوف بين يديه حافي القدمين، عاري الجسم شاخص البصر، ليس معه إلا ما عنده من خير أو من شر وإلا ما قدم، هذا الذي يخشى عقاب الله سيذكر، وهذا شأن المؤمن حقاً أنه يتذكر إذا ذكر، ولا يتمادى على خطأ ولا على غي ولا على فجور ولا على زور، بل إن تلك الذكرى تجعله في غاية من الانصياع إلى الله سبحانه وتعالى والانقياد له، وقال: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى * ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا﴾[الأعلى:11-13]، هذا هو الفارق الآن بين المؤمن والكافر ضمن فوارق كبيرة، أن المؤمن يتذكر، هو ما هو معصوم؛ لكن مع ذلك إذا ذكر سرعان ما يتذكر، سواء ذكر من قريب أو من بعيد، ومن صغير أو من كبير، من عالم أو من جاهل أهم شيء أن تلك الذكرى يستفيدها، وتقع في قلبه موقعاً عظيماً، وأما الأشقياء فإنهم يتجنبونها عمداً وقصداً لا جهلاً وغباوة؛ يتجنبون الذكرى ويعرضون عنها، وصفهم الله عز وجل بقوله: ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ * وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾[الصافات:13-14]، هم يستسخرون، تجدهم يسخرون منها، فلا يذكرون أبداً عمداً، هذا هو أعظم فارق بين المؤمن والكافر، وبين المصلح والمفسد؛ أن المؤمن يتذكر وتنفعه الذكرى وأنه أعظم ما يتذكره لقاء الله سبحانه وتعالى، وذلك الذكر يفيده كثيراً، فيستقيم بتلك الذكرى على توحيده، ولهذا أمر الله سبحانه وتعالى المشركين أن يتذكروا، فإن من تذكر ينفعه ذلك، ومن لا يتذكر فإنه لا ينفعه شيء، قال الله عز وجل: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾[طه:111].. إلى قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾[طه:113]، فالله أنزل القرآن وصرف فيه من الوعيد آيات العذاب وآيات الرحمة، وآيات الأحكام ترهيب وترغيب، آيات عظام، لو أنزلها الله سبحانه وتعالى على الجبال لتصدعت، صرف فيه من الوعيد، قال الله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾[طه:113]، صرف الله كتابه وبين كتابه من أجل أن يتذكر عباده، وقال الله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾[إبراهيم:5]، فهذه رسالات المرسلين وبعثة الأنبياء أنهم يبعثون إلى عباد الله مبشرين ومنذرين ومذكرين، فيذكرون عباد الله بالله، ويذكرون الناس بأيام الله ولقاء الله والوقوف بين يديه، فمن تذكر ذلك أفلح، ومن أعرض ذلك استحق نقمة الله سبحانه، قال الله سبحانه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾[السجدة:22]، فسماهم الله مجرمين، وتوعدهم بالانتقام، الذين ما يتذكرون كان هذا متوعد لهم.

أيها الناس! أيها العبد! تذكر ولا تغفل فإن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾[الأنبياء:1-3]، هذا شأن اللاهين الذين لا يذكرون، فإن هذا شأن ذوي اللهو أصحاب القلوب اللاهية، أصحاب القلوب الغافلة، تذكر الموت واكثر من ذكره، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أكثروا ذكر هاذم اللذات»، هذا ينفعك كثيراً، لا يذكر على كثير إلا قلله، ولا قليل إلا رأى صاحبه ذلك القليل كافيه حتى يلقى الله عز وجل، لا يذكره عبد مؤمن فيه قسوة إلا لان قلبه، ولا يذكره عبد فيه جشع في الدنيا إلا زهد فيها بقدر تذكره للموت، ولا يذكره عاص إلا ارتاع، ولا يذكره مؤمن إلا ازداد من إيمانه وتقواه، ففيه نفع عظيم، وهكذا زوروا القبور، فإن زيارتها مع التأمل والتذكر والتدبر يكون رادعاً عن الاندفاع إلى الدنيا وحافزاً لك إلى الآخرة، قال عليه الصلاة والسلام: «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة»، فحسرة عظيمة على من لم يتذكر الآخرة.

تذكر أنك خلقت من عدم، وأن الله سبحانه وتعالى أوجدك في هذه الدنيا مهلة فقط مهلة، ثم تنتقل من هذه الدار إلى دار البرزخ، ثم تنتقل من دار البرزخ إلى دار القرار إما الجنة وإما النار، هذا لابد لكل مسلم أن يتذكره، وإن لم يتذكره فاته من الخير بقدر غفلته، وربما فاته الخير كله، تذكر هذا، فالله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ * نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذكَّرُونَ﴾[الواقعة:58-62]، هذا حث من رب العالمين سبحانه وتعالى على أنك تتذكر يا عبد الله: ﴿فَلَوْلا تَذكَّرُونَ﴾[الواقعة:62]؟ ما هذه الغفلة عن أساسك وأصلك، ما هذه الغفلة عن أساسنا وأصلنا، وما هذه الغفلة عن نشأتنا ومبدئنا، وما هذه الغفلة أيضاً عن مصيرنا ووقوفنا، لهذا فأمر عظيم أمر التذكر: ﴿فَلَوْلا تَذكَّرُونَ﴾[الواقعة:62]، بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى نشأة الإنسان حثه على التذكر، تذكر جنسه وأصله فلا يتكبر ولا يبغي وأن الله يقول سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾[المؤمنون:12-16].. الآيات.

هذا كله أنت مأمور بتذكره، وإن لم تتذكر ذلك وسهوت عن ذلك فإن ذلك يضرك جداً.

تذكر أن الله سبحانه وتعالى خلقك لتوحيده وأمرك بذلك، وما أرسل الله رسولاً وأنزل كتاباً إلا بهذا، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾[المؤمنون:84-85]، هذه محاجة من رب العالمين سبحانه للمشركين الذين أشركوا مع الله غيره وجعلوا لله أنداداً وهم يعلمون، فلهذا ذكرهم: ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾[المؤمنون:85]، ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾[المؤمنون:84-88] هو يجير سبحانه يجير عباده في الدنيا والآخرة، من استجار به أجاره، ومن لجأ إليه آواه، ومن دعاه أجابه: ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾[المؤمنون:85]، كل هذا يجب أن يتذكر.

تذكر أنه لا يمكن لأحد أن يتولاك ولا أن يشفع لك إلا بإذن من الله سبحانه وتعالى، إلا أن يتولاك الله سبحانه وتعالى، هذا لابد من التذكر: ﴿الم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾[السجدة:1-3]، كل هذا لعلهم يتذكرون.

﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾[السجدة:4]، فهذا لابد منه أنك تتذكر أنه لا ولي لك أبداً ولا شفيع لك أبداً، ولا ناصر لك أبداً إلا الله سبحانه وتعالى قل قومك أو كثروا، قل مالك أو كثر، كبر جاهك أو صغر، ما لك من ولي ولا شفيع: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾[السجدة:4].

تذكر هذا كله، فإن هذا نافع لك جداً، وأنه لا يمكن أحداً أن يغطك قليلاً أو كثيراً إلا الله سبحانه وتعالى، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾[غافر:13]، فالله وصف المتذكرين بأنهم هم المنيبون، فهذا من الذي يمدك به، لقمة الطعام، شربة الماء، لبسة على جسمك، مسكناً تسكنه.. غير ذلك، من الذي يمدك به، لماذا لا تتذكر هذا كله؟ فهذا كله يحتاج منك إلى تذكر، فإن هذا يحدث لك أمراً عظيماً عند الله سبحانه وتعالى من الخير، هذا تذكره، وإن لم تتذكره فإنك لست بعاقل، فإن الله وصف الألباء بالتذكر، ونفى عن الذين لا يتذكرون العقول، قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾[الأعراف:179]، ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾[الصافات:13]، وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾[البقرة:269]، أصحاب العقول السليمة هم الذين يتذكرون أن الحكمة الله يؤتيها من يشاء والأمر لله من قبل ومن بعد، وقال الله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾[آل عمران:7]، ومن الذي يتذكر هذا، ومن الذي يفهم هذا؟ قال: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾[آل عمران:7]، ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾[الزمر:9]، فالذي يتذكر هو صاحب اللب، صاحب العقل: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾[ق:37].

أمر الله موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام، أن يذهبا إلى فرعون الذي يدعي الربوبية من أجل تذكيره، قال الله: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى * قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى * فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾[طه:43-47]، الله أرسلهما إلى فرعون أن يذكراه بالهداية، وبرسالتهما وببعثتهما وبغير ذلك مما في هذه الآيات، ولكن ما تذكروا: ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾[الصافات:13]، وعند موته تذكر ولم ينفعه الذكرى عند الغرغرة: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾[يونس:90]، قال الله: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾[يونس:91-92]، أي: ما يتذكرونها، هذا شأن الغافلين ما يتذكرونها، قال الله سبحانه وتعالى مبيناً أنه ما تنفعه ولا غيره الذكرى بعد الموت، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾[الفجر:21-23]، هناك ما تنفع الذكرى، الآن تذكر الآن إن كنت موفقاً، أما هناك ما تنفع الذكرى، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾[النازعات:27-33].. الآيات، وفيها الحث على التذكر، قال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾[عبس:1-4]، فهذا مؤمن الذي يذكر وتنفعه الذكرى هذا مؤمن.

الشاهد أن الذي لا يتذكر أن هذا ضعف في عقله، وهو مجرم يعتبر من المجرمين: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾[السجدة:22]، وعاقب الله عز وجل بني إسرائيل بعديد من العقابات بسبب نسيان الذكرى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾[المائدة:13]، لعنة وقسوة قلوب: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾[المائدة:13]، أتتهم أنبياء الله ورسله، وذكروهم فنسوا حظوظهم من ذلك التذكير، وقال الله عز وجل: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾[المائدة:14]، أخذ الله ميثاقهم على إقامة دينه، وأخذ ميثاق سائر الأمم على إقامة دينه، ونسوا حظاً مما ذكروا به، وبسبب ذلك النسيان والتغافل عن التذكير أغرى الله بينهم العداوة والبغضاء، وهذه هلكة على الأمم، كل هذا بسبب عدم التذكر تحصل العداوة، تحصل البغضاء، يؤيد ذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[الأنعام:44-45]، يستدرجهم الله ويشغلهم بالدنيا: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا﴾[الأنعام:44]، بسبب غفلتهم عن ذكر الله يأخذهم بغتة، وقال الله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾[الأعراف:163-166]، ما انتفعوا بالذكرى حتى جعلهم الله قردة وأهلكهم، الذكرى نجاة.. الذكرى نجاة؛ أمر بمعروف نهي عن منكر نصيحة، كلمة، موعظة، ينجيك الله سبحانه وتعالى بها، الذكرى نجاة: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾[النساء:66]، الذي يأخذ الذكرى يثبته الله، وهو خير له والله: ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾[النساء:67]، هذه أيضاً منقبة ثانية وفائدة عظيمة: ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾[النساء:68]، الذي يأخذ الذكرى يهديه الله سبحانه وتعالى صراطاً مستقيماً.

تذكر أن صراط الله واحد: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾[الأنعام:153]، ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾[الأنعام:126]، فهذا صراط مستقيم لا يمكن أن يعوج ولا يمكن أن يختلف، إنما العباد هم الذين يعوجون، هم الذين يختلفون، هم الذين يتقلبون، وإلا فصراط الله واحد.

الخطبة الثانية:

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد:

يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾[النحل:90]، هذه الأوامر كلها والنواهي كلها بعد ذلك قال: ﴿يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾[النحل:90]، هذه موعظة رب العالمين، وموعظة رب العالمين سبحانه وتعالى بعظمته وجلاله كلها لا يستفيد منها إلا المتذكر، فلهذا عقبها بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾[النحل:90]، الذكرى في آخر هذه الأوامر والنواهي، ويقول الله سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾[الفرقان:61-62]، فالله جعل الليل يعقبه النهار، والنهار يعقبه الليل: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾[إبراهيم:33-34]، قال الله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ * وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[القصص:71-73]، فكل هذا جعله الله سبحانه وتعالى؛ هذا التعاقب بين الليل والنهار، خلفة يخلف بعضه الآخر، لمن أراد أن يذكر، وهذا التذكر نافع له، وإن لم يتذكر في مدى عمره، فإنه قامت عليه الحجة، ولا حجة له عند الله سبحانه: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾[فاطر:37]، ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾[الأنعام:83].

حجة الله سبحانه وتعالى قامت على عباده، ليس لأحد على الله حجة: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾[النساء:165]، فأرسل الله رسله للتذكر، وأنزل الله كتبه للتذكر وللتدبر، وللتفكر فيما يقدم عليه الإنسان هذا الغافل الذي في حياة قصيرة ربما يقدم فيها المعاصي الكثيرة، كل ذلك من أجل أن ينتفع، فمن لم يتذكر بعد هذا كله، فإنه يكون قد أعرض عن ذكر الله، وإنه يكون بذلك مستحقاً لعذاب الله، وإنه بذلك يكون لا حجة له عند الله. ا.هـ