نسخة الجوال
ترجمة الشيخ
الفتاوى
الصوتيات
المقالات
المكتبة العلمية
الفتاوى الصوتية المفرغة
إرسل سؤلاً
اتصل بنا
الصوتيات -> خطب ومحاضرات متنوعة
عنوان الملف وقاية الإنسان من تخبطات الشيطان
تاريخ إضافة الملف 02/04/2009
عدد المشاهدات( 5261 ) عدد مرات التنزيل( 1137 )

[وقاية الإنسان من تخبطات الشيطان(108)]

خطبة جمعة بتاريخ: (.............)

(للشيخ العلامة المحدث: أبي عبد الرحمن يحيى بن علي الحجوري -حفظه الله تعالى-)

======================

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾[آل عمران:102]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾[النساء:1]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾[الأحزاب:70-71].

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أيها الناس! يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾[النور:21]، ويقول سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾[فاطر:6]، ويقول الله عز وجل عن الشيطان: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا * وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾[النساء:118-119]، وقال سبحانه: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾[النساء:120]، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ﴾[المائدة:90-91].

كل هذه الأدلة تدل على أن الشيطان لا يفتأ إضراراً بالإنسان، وهو يكيد له مكر الليل والنهار، ومن كيده له أنه يأمره بالفحشاء والمنكر، وأنه عزم أن يتخذ من العباد نصيباً مفروضاً، وأنه يضلهم، وأنه يمنيهم، وأنه يأمرهم بتقطيع آذان الأنعام وتغيير خلق الله، وأنه يأمرهم بما يشعل العداوة والبغضاء بينهم: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾[المائدة:91].

وأنه يصدهم عن ذكر الله، وأنه يصدهم عن الصلاة؛ لأن ذكر الله والصلاة فيها عصمة من الشيطان، وقاية من الشيطان، حفظ من الشيطان، فقد ثبت من حديث الحارث الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وآمركم بذكر الله، فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعاً، حتى إذا أتى على حصن حصين فحصن نفسه منهم ولا يتحرز أحدكم من الشيطان إلا بذكر الله»، وهذا نفي من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن أن يوجد حرز من الشيطان بغير ذكر الله.

دل هذا على أن كل ما يتحرز به الإنسان من الشيطان هو من ذكر الله، سواء تلفظ بالذكر، أو عمل بمقتضى تلك السنة والإرشاد النبوي، فإن العمل بذلك عمل بذكر الله، فلا يمكن لأحد أن يحرز نفسه وأن يحصن نفسه من هذا العدو، وأشد عدو هو الشيطان، إلا بذكر الله سبحانه، وهذه فائدة عظيمة من فوائد الذكر.

ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قال حين يصبح: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، كتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأتِ أحد بمثل ما أتى به إلا من قال مثل ما قال»، «ومن قال: سبحان الله وبحمده، مائة مرة، حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر»، والشاهد من الحديث: أن من ذكر الله عز وجل بذلك الذكر في الصباح، قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مائة مرة حين يصبح، أنه صار محروزاً من الشيطان حتى يمسي، يوماً كاملاً وهو في أمان من الشيطان وفي حرز منه، لا يضره بإذن الله في دينه ولا في دنياه، لا يضره بأخلاقه، لا يضره في قلبه، لا يضره بمعاملاته، لا يضره في جسمه، في كل ذلك لا يستطيع أن يضره، فإنه في حرز وفي حصن حصين.

فتحرزوا عباد الله من هذا العدو اللدود بذكر الله سبحانه، قال الله عز وجل: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾[الذاريات:50]، لا حرز لأحد من الشيطان إلا بذكر الله، وبالفرار إلى الله سبحانه وتعالى، حتى إذا قرأ القرآن ولم يذكر الله سبحانه وتعالى ولم يستعذ به فإن الشيطان يلبس عليه قراءته وتلاوته، ولا يجعله يستفيد من القرآن، ولا من تدبر القرآن، ولا من أحكام القرآن وتفقهه.

ولهذا كان الواجب على من قرأ القرآن أن يتحرز قبل ذلك من الشيطان: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾[النحل:98-100]، تحرز من الشيطان بذكر الله، في ليلك ونهارك، ومضجعك وقيامك، فلا حرز لك منه إلا أن يقيك الله سبحانه وتعالى شره.

ثبت عند الإمام مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دخل الرجل بيته فذكر الله قال الشيطان: لا مبيت لكم، وإذا سمى الله على طعامه قال: لا مبيت لكم ولا عشاء، فإذا دخل الرجل بيته ولم يذكر الله عند دخوله: قال الشيطان: أدركتم المبيت، فإذا لم يسمِّ عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء» .

من الذي يقيك ويقي طعامك ويقي بيتك من الشيطان غير الله سبحانه وتعالى، فعليك بذكر الله يكون وقاية لك من هذا العدو، من عدوك وعدو الله سبحانه وتعالى وهو الشيطان، ومن حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان إذا أتي بطعام لا يأكلون حتى يمد النبي صلى الله عليه وسلم يده ويأكل؛ تبركاً منهم بالنبي صلى الله عليه وسلم في طعامه).

وإنه كان يوم جاء أعرابي كأنه يدفع، فمسك النبي صلى الله عليه وسلم بيده، ثم جاءت جارية كأنها تدفع، فمسك النبي صلى الله عليه وسلم بيدها، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان يستحل طعامكم إذا لم يسمّ عليه الله، وإنه أتى بهذا الأعرابي ليستحل به طعامكم، وإنه أتى بهذه الجارية ليستحل بها طعامكم، فمسكت أيديهما، وإن يديهما في يدي ..» الحديث.

والشاهد منه: أن الإنسان إن لم يذكر اسم الله على طعامه فلا وقاية له من الشيطان إن لم يذكر الله عز وجل، ولا يتحرز ويحرز طعامه إلا بذكر الله، وقال عليه الصلاة والسلام: «إن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله فكلوا بأيمانكم»، وهذا أيضاً ذكر نبي، إرشاد نبي إلى الأكل باليمين وقاية من الشيطان؛ حتى لا يأكل طعامك، ولا يتلف مالك، فإن الشيطان مختلس.

وقد عمد إلى مالك الصدقة الذي كان عليه أبو هريرة رضي الله عنه يريد أن يأخذ منه، فجاء أبو هريرة رضي الله عنه وقال: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له الشيطان في آخر الحديث: ألا أدلك على شيء إذا قرأته لا يقربك شيطان ولا يزال عليك من الله حافظ؟ قال: بلى، قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، فإنك إن قرأتها كان عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فأتى أبو هريرة النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «صدقك وهو كذوب، ذاك شيطان ..» الحديث، وهو عند الإمام البخاري معلق، وهو صحيح عند أحمد وغيره.

وشاهدنا من الحديث: أنه لا يقي مالك من الشيطان إلا الله سبحانه وتعالى، وبذكر الله سبحانه.

وفي الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ذهب جنح الليل فكفوا صبيانكم، وخمر إناءك، واذكر اسم الله، واغلق بابك واذكر اسم الله، فإن الشيطان لا يفتح إناء مغطى، ولا يفتح باباً مغلقاً»، وبهذا تعلم أنك تستطيع أن تحفظ متاعك وطعامك، وتستطيع المرأة أن تحفظ عجينها وسائر ما يؤكل وما يشرب من الشيطان بذكر الله عز وجل، وتستطيع أن تحفظ بيتك من دخول الشيطان بذكر الله وبإغلاق الباب إذا ذهب جنح الليل، وبتلاوة سورة البقرة فيه، إن دخل البيت فإنها مطردة للشيطان، وتكون بذلك حصنت بيتك وأهلك وولدك وطعامك من الشيطان.

وفي صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أما إن أحدكم إذا أتى أهله فقال: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإن قدر بينهما ولد لم يضره»، وبهذا تكون حصنت ولدك من الشيطان بذكر الله عند الوقاع.

وهكذا سائر الحالات من ليل ونهار، فإن الإنسان إذا نام ولم يذكر الله سبحانه عبث به الشيطان بالأحلام، وبالعقد على قافيته، وبالبول في أذنيه.. إلى غير ذلك مما يحصل من المبيت على خياشيمه، فإن ذكر الله وقاه الله عز وجل من الشيطان.

قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «يعقد الشيطان على قافية أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، عليك ليل طويل فارقد، فإذا هو استيقظ فذكر الله انحلت عقده، وإذا قام فتوضأ فصلى انحلت عقده، فأصبح طيب النفس نشيطاً، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان» أي: إن لم يذكر الله ولم يتوضأ ويصلّ لم تحصل له تلك الأمور الطيبة.

وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر عنده: رجل نام حتى أصبح، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه، أو قال: في أذنه» .

وكل هذا إن لم يذكر اسم الله، فإنه إن ذكر الله عند نومه لا يعبث به الشيطان، ولا يقربه شيطان كما في حديث أبي هريرة: «ولا يقربك شيطان، ولا يزل عليك حافظ من الله حتى تصبح»، إذا قرأ آية الكرسي وهي ذكر من أعظم ذكر الله عز وجل.

نعم، وفي الصحيحين من حديث أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان، فإذا رأى الإنسان في نومه ما يكرهه فليستعذ بالله من الشيطان، وليتحول على جنبه الآخر، وليمكث عن شماله، وليتعوذ بالله من شرها»، وفي بعض الروايات: «وليقم فليصل»، وكل هذه وقايات من الشيطان، فإن من رأى رؤيا تزعجه تلك رؤيا من الشيطان: «الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان» .

وهي ثلاث حالات وعلى ثلاثة أنواع:

نوع يكون من المبشرات وهي جزء من ست وأربعين جزءاً من النبوة، وفيها خير وسرور للإنسان، وفيها تذكير بخير، وهذه رؤيا طيبة من الله عز وجل.

النوع الثاني: حلم من الشيطان، وتخبط من الشيطان لمن لم يذكر الله، ويبيت على غير ذكر الله، فإن الشيطان يتسلط عليه، ويؤذيه في نومه، ويقلقله ويزعجه ويؤرقه حتى يصبح، لا يقوم بما يقوم به من واجبات العبادة، سواء في صلاة الفجر، أو في قراءة القرآن، أو في المواظبة على الورد والذكر.. أو غير ذلك، يريد الشيطان أن يفوت عليه ما يقوم به من الطاعة، أو يدفع به إلى شدة الضيق والغضب والقلق، لضعف النوم عنده ولقلة الراحة، ويصبح خبيث النفس مؤذياً، سيئ الأخلاق؛ كل ذلك لأنه تسبب في قرب الشيطان منه، ولأنه لم يذكر الله عز وجل.

والوقاية من ذلك: أنه يذكر الله عند نومه فيقيه الله الشيطان، وأنه إن حصل له من ذلك يعمل بهذه الإرشادات الأربع:

الإرشاد الأول: أنه يستعيذ بالله من الشيطان، يلجأ إلى الله، يفر إلى الله من هذا العدو.

الإرشاد الثاني: أنه ينفث عن يساره ثلاثاً.

الإرشاد الثالث: أنه يتحول إلى الجنب الذي لم يكن عليه، من جنب إلى آخر.

الإرشاد الرابع: أنه يتعوذ من شرها.

والإرشاد الخامس: هو من باب الأفضل: أن يقوم فيصلي، فإنها لا تضره.

والإرشاد السادس: أنه لا يخبر بها أحداً، كما جاء في بعض الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهنا يكون قد وقاه الله من شر الشيطان وتخبطات الشيطان، ولو بعد حصول ذلك التخبط.

النوع الثالث من الأحلام: تذكرات يتذكرها الإنسان قبل نومه، وهذه لا خير فيها، أن يبيت على تذكر سيئ، فإن كان تذكراً سيئاً فهذا لا خير فيه، يزعجه، ويضيع عليه وقته ونومه، فيتذكر بعض الأمور فيراها في نومه.

هذه أنواع من أنواع ما يحصل في النوم من الرؤيا والحلم، تحدث بما حصل قبل النوم، أو الخواطر التي تحصل له بما حصل قبل النوم.

ولا يتحزر العبد من الشيطان ومن دخوله في فمه وفي جوفه، والعبث بداخله، إلا بذكر الله، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع؛ فإن العبد إذا تثاءب فقال: هاه، يضحك الشيطان منه»، إذا تثاءب يدخل الشيطان، فقي نفسك من الشيطان، وقي جوفك من الشيطان، وقي فمك من الشيطان؛ بتطبيق هذا الذكر العظيم وإذا تثاءبت.

وهكذا وإن لم يرد دليل صحيح في كظم المرأة لصبيها إذا تثاءب، فإن هذا يكفي في الدلالة أنها تغطي فمه إذا تثاءب؛ رداً للشيطان عن أن يدخل جوفه.

قي نفسك من الشيطان، حرز نفسك من الشيطان بذكر الله، في ليلك ونهارك، وسرك وجهارك؛ فإن هذا العدو لا وقاية لك منه إلا بالفرار إلى الله سبحانه وتعالى، يكاد يبطل عليك صلاتك، ويلبس عليك أمرك، ويكاد يخطر بينك وبين نفسك، إن لم تلجأ إلى الله سبحانه وتعالى منه، وتفر منه، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة وأراد أحد أن يمر بين يديه فليدفعه؛ فإن معه القرين -وفي رواية: فإنما هو شيطان- فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان»، يريد الشيطان أن يقطع عليك صلاتك، وقال عليه الصلاة والسلام: «إن الشيطان أراد أن يقطع علي صلاتي»، وشاهدنا من ذلك: أنك تقي نفسك وصلاتك من الشيطان، سواء بالصلاة إلى سترة، أو دفع من يمر بينك وبين صلاتك فإنه شيطان أو معه الشيطان يقطع عليك صلاتك.

وأخبر عليه الصلاة والسلام أن الشيطان يختلس من صلاة العبد، الالتفات، والوساوس، وما إلى ذلك مما ينقص الصلاة، هذا يهجم الشيطان على الصلاة ويختلسها، وربما أتى إلى العبد فيقول له: اذكر كذا اذكر كذا اذكر كذا، حتى لا يدري ما صلى، ومن كان على ذلك فليسجد للسهو، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «إن الشيطان إذا ثوب للصلاة أدبر، فإذا قضي أقبل، حتى يخطر بين العبد وبين نفسه، يقول: اذكر كذا اذكر كذا اذكر كذا، حتى لا يدري كم صلى، فإذا حصل لأحدكم ذلك فليسجد سجدتين وهو جالس»، وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يأتي الشيطان إلى أحدكم فيقول: من خلق كذا، من خلق كذا، من خلق كذا، حتى يقول: من خلق ربك، فمن حصل له ذلك فليتعوذ بالله من الشيطان، ولينته»، هذا هو الواجب عليه، أن يستعيذ بالله من الشيطان، وأن يذكر الله عند حصول هذا الأمر الخطير، إذ يشكك الشيطان العبد في ربه، وأن الله سبحانه وتعالى أرشد إلى الوقاية من هذا التشكك بالاستعاذة بالله، فليستعيذ بالله من الشيطان ولينته.

هذه الأمور المهمة يجب على المسلم أن يلاحظها، وأن يدركها، وأن يعتني في الوقاية من أعظم عدو يهجم عليه، ولو كان العدو أمامه لدافعته بكل ما تستطيع من قوة، ولا قدرة لك على دفع هذا العدو إلا بذكر الله سبحانه، وبالفرار إليه، كما في حديث الحارث الأشعري: «ولا يحرز أحدكم نفسه من الشيطان إلا بذكر الله» .

الخطبة الثانية:

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد:

وحرز نفسك من الشيطان بالبعد عن الملهيات، وعن أسباب دخوله من تصوير ذوات الأرواح، فإن تصوير ذوات الأرواح يطرد الملائكة، كما في الصحيحين من حديث أبي طلحة رضي الله عنه: «لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة»، سواء صورها، أو أوجدها في بيته، فإن هذا الفعل الذي انتشر بين الناس في الدشوش، والتلفزيونات، وتصوير ذوات الأرواح، التذكاريات.. وما إلى ذلك مما فتنوا به، فإن هذا يعتبر مذلة للعبد، ويعتبر مدخلاً للشيطان، ويعتبر مطردة للملائكة، ويعتبر من الأضرار في ذلك ما الله به عليم.

فعلى المسلمين أن يتقوا الله، وأن يحذروا من أسباب تسلط الشيطان على العباد، ومن تلك الأسباب: سماع الأغاني والملهيات عن ذكر الله، فقد قال الله سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾[لقمان:6]، قال ابن مسعود وابن عباس وغيرهما من أهل العلم وأهل الحديث والتفسير: لهو الحديث هو الغناء.

فإذا كان هذا اللهو عن ذكر الله فإن الشيطان يتسلط على العبد بقدر بعده عن ذكر الله، وبقدر عدم رجوعه وفراره إلى الله، ففي الصحيح من حديث سليمان بن صرد أن النبي صلى الله عليه وسلم: «رأى رجلاً قد غضب وانتفخت أوداجه، وقال: أما لو قال كلمة لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ذهب عنه ما يجد»، فدل هذا على أن شدة الغضب من الشيطان، وأن الوقاية من ذلك هو ذكر الله، والاستعاذة بالله من الشيطان.

ولما جاءت قينتان تغنيان، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أتريدين أن تسمعين؟ قالت: نعم، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القينتين، ثم جعلتا تغنيان، فقال: لقد نفخ الشيطان في منخريهما»، دل هذا على أن الأغاني من الشيطان، ودخل أبو بكر رضي الله عنه على قينتين تغيين، فقال: مزمار الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «يا أبا بكر! دعهما، فإن لكل أمة عيد وهذا عيدنا»، شاهدنا: أن هذا الغناء من مزامير الشيطان، ومن أسباب تسلطه على العبد؛ لأنه مدعاة الغفلة، والاستهواء من الشيطان لا يقي العبد ذلك إلا الفرار إلى الله سبحانه وتعالى، والعمل بذكر الله عز وجل، فقد ثبت من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: «جاء رجل فقال: يا خيرنا وابن خيرنا، ويا سيدنا وابن سيدنا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: أيها الناس! قولوا بقولكم الله، ولا يستهوينكم الشيطان -وفي رواية: ولا يستجرينكم الشيطان- إنما أنا عبد الله ورسوله فقولوا: عبد الله ورسوله»، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن استجراء الشيطان، وعن استهواء الشيطان، ومن وجد من ذلك شيء فعليه باللجوء والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، والعمل بالأدلة.

وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من دعائه: أنه كان يستعيذ بالله من شر الشيطان من همزه ونفخه ونفثه. فالشيطان له نفث ينفخ العبد حتى يتكبر، وحتى يتعالى، وحتى يذهب بنفسه في غير موضعها اللائق بها، وله نفس همس يهمس العبد ويغمزه، وهكذا يحقره، وهكذا يهينه بالمعاصي، إلا أن يفر إلى الله سبحانه، فمن صحيح دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستعاذة من الشيطان من همزه ونفخه ونفثه.

ووساوس الشيطان لا ينجيك منها إلا ذكر الله سبحانه وتعالى، والفرار إلى الله، فقد علمت ما أمر الله سبحانه وتعالى به عبده محمد صلى الله عليه وسلم وهو أمر للأمة: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾[الناس:1-6].

إنه يجري من ابن آدم مجرى الدم، ولا يقي منه إلا الله سبحانه وتعالى، وإلا اللجوء إلى الله سبحانه، فاستعذ بالله: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾[الأعراف:200] أي نزغ كان: في خلقك.. في معاملتك.. في قلبك.. في سائر حياتك، ففر إلى الله، والجأ إلى الله، واذكر الله سبحانه وتعالى، يقيك الله عز وجل شر هذا العدو، ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾[الأعراف:200].ا.هـ