نسخة الجوال
ترجمة الشيخ
الفتاوى
الصوتيات
المقالات
المكتبة العلمية
الفتاوى الصوتية المفرغة
إرسل سؤلاً
اتصل بنا
الصوتيات -> خطب ومحاضرات متنوعة
عنوان الملف تتمة لنماذج من حياة الأسلاف عند حصول الفتن والاختلاف
تاريخ إضافة الملف 02/04/2009
عدد المشاهدات( 3150 ) عدد مرات التنزيل( 954 )

[تتمة لنماذج من حياة الأسلاف عند حصول الفتن والاختلاف(110)]

خطبة جمعة بتاريخ: 23/شوال/1426هـ

(للشيخ العلامة المحدث: أبي عبد الرحمن يحيى بن علي الحجوري -حفظه الله تعالى-)

===============================

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾[آل عمران:102]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾[النساء:1]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾[الأحزاب:70-71].

أما بعد:

فكثيراً ما تتكرر تلاوة هذه الآية في الصلوات، والمجامع والخلوات، وخطب الجمعات؛ وهي قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾[آل عمران:102], ومعنى ذلك: اثبتوا على الإسلام حتى تلقوا ربكم وأنتم عليه، وهذا مطلب عزيز، ولا شك أن له عوامل، فما من غايةٍ إلا ولها وسيلةٌ وسبب.

ومن وسائل تنفيذ هذا الطلب والبقاء على الإسلام والسنة، والبقاء على الحق، والبقاء أيضاً على طلب العلم، والبقاء على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ من أهم وسائل ذلك وعوامله هو التفقه في دين الله، وتعلم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا أعظم عاملٍ للثبات على الإسلام ودين الله الحق، وقد أبان الله سبحانه وتعالى ما قام به أهل العلم وما يقومون به في كل زمان ومكان، ومن ذلك قوله عز وجل: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾[القصص:76-77], وفي سياق الآيات يقول الله: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾[القصص:79], وجاء دور الثبات، وجاء دور كلمة الحق: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾[القصص:80], خيراً من كنوز قارون وخيرٌ مما عنده من الأبهات: ﴿خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾[القصص:80], تلك الجنة، وتلك المكارم لا يلقاها إلا الثابتون الصابرون، وحقق الله عز وجل ما قاله أهل العلم وما ثبت به أهل العلم أمام هذا الجبار والمفتخر والمتباهي بماله، وأمام من كان على انبهار به؛ فحقق الله سبحانه وتعالى قول أهل العلم وخسف الله به وبداره الأرض: ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾[القصص:81].

والأمر الثاني: ثبات أهل العلم وأهل الفقه والدين يوم القيامة، إذ يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾[الروم:55-56], وهذا ثبات عظيم حتى في الدار الآخرة، وموقف عظيم أمام المقسِمين، وأمام المجرمين، وهكذا ترى أن العلم يأخذ شرفه في الدنيا والآخرة من الثبات، وهو أعظم عامل للثبات على الحق لمن عمل به، يقول ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾[النساء:66-68], فدل هذا على أن من أعظم وسائل الثبات العلم والعمل به: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾[النحل:101-102], فكان القرآن ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا العلم العظيم ينزل على حسب الحالات تثبيتاً لقلبه على الحق، ولما اعترض الكافرون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل على رب العالمين، لم لم ينزل القرآن جملة واحدة، قال الله عز وجل: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾[الفرقان:32], فإذا ناقش المشركون في أمر الروح ومن أي الروح؟ فنزل القرآن، ونزل هذا العلم العظيم لتثبيت رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾[الإسراء:85], وإذا قال المشركون: محمدٌ قلاه ربه، نزل القرآن: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾[الضحى:1-5], وإذا قال المشركون: هذا صنبور منبتر: أي ليس له أتباع ولا معه أحد، نزل القرآن: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾[الكوثر:1-3], وإذا أراد المشركون أن يؤذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحدهم يقول: محمدٌ يعفر وجهه بين ظهرانيكم، لئن جاء لأطأن على رقبته، نزل القرآن: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ * كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾[العلق:15-19], وإذا قال المشركون: إن محمداً يعتبر ساحراً عندهم ينزل القرآن: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾[التكوير:22], ينفي عنه الجنون وينفي دعاوى الكاذبين عليه: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾[القلم:1-4], وهكذا لتعملوا أن القرآن والعلم من أعظم الثبات على الحق، فقه دين الله، ولهذا كان ينزل هذا العلم تثبيتاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والناظر في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى ذلك، ويرى أنه أيضاً يستفيد من علم من مضى، وإذا علم طريقة من مضى من السابقين، وما حصل لهم من الأذى كان هذا العلم الذي علمه تثبتاً له، قال الله: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾[هود:120], فقصص الماضين وعلم قصص الماضين من أعظم الثبات؛ لأنه علم، ولما أوذي رسول الله صلى الله عليه وسلم آذاه المشركون، وطعن فيه المنافقون، وقالوا: والله هذه قسمة ما عدل فيها، وما أريد بها وجه الله، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول ذي الخويصرة، تذكر مباشرةً ما حصل للماضين وبالأخص موسى عليه الصلاة والسلام، فقال: « يرحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من ذلك فصبر »، ومعنى ذلك: أنه رجع إلى العلم، ورجع إلى ما علمه من سنن الماضين، وأنه ما جاء أحدٌ بما جاء به إلا عودي وأوذي.

فالعلم عباد الله ثباتٌ، كما يقول الزهري رحمة الله عليه: أدركنا علماءنا يقولون: التمسك بالسنة نجاة، والعلم يقبض قبضاً سريعاً، وفي نعش العلم ثبات الدنيا والدين، فإذا أردت الثبات فعليك بالعلم والعمل به، وما من كربه ولا فتنة إلا وتنجلي بإذن الله سبحانه وتعالى، ويجعل الله منها الفرج والمخرج إذا أنت ثبت على ذلك الحق، وانظروا إلى قارئ من قراء الصحابة رضوان الله عليهم الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه: « من أراد أن يأخذ القرآن غضاً كما أنزل فليقرأ على ابن أم عبد -يعني: عبد الله بن مسعود- », لما أخبر عن مسجد بني حنيفة فيه أناسٌ يأتون بأشياء مستجدة، يعتبرونها أوراد وأذكاراً، ويغررون بها على الناس، ويجتمع حولهم من يرى أن هذا دين، يقول: سبحوا مائة، احمدوا مائة كبروا مائة، وهم بعده على ذلك الحال، لكن ابن مسعود ذلك العالم النحرير أتاهم، فقال: أيها الناس، فقتم أصحاب رسول الله علماً، أم جئتم ببدعة ظلماء؟ والله هذه آنية رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكسر، وثيابه لم تبلى، وقد أحدثتم في دين الله ما أحدثتم, العلم جعله في غاية من الثبات، ورجع أيضاً إلى علم وهو علم السنة، وأن هذا العلم هو ثباتٌ الرجوع إلى سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.

ولما اختلف أناسٌ في أمر المتوفى عنها زوجها، وقد عقد عليها وماذا سيكون لها؟ قال: لأقولن فيها برأيي، فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأً فمني ومن الشيطان: لها المهر كاملاً، وعليها العدة ولها الميراث، فجاء أناسٌ من أشجع، فقالوا: هكذا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعنى ذلك: أن الإنسان إذا كان على علم ونطق بمضمون العلم، فإن هذا ثباتٌ له في الأقوال والأفعال.

أيها الناس! إن أمر الثبات التفقه في دين الله وعلم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، هذا أعظم سببٍ للثبات على الحق، ولقد رأيتم وسمعتم كثرة الذبذبة والتمرد والتفلت عن الحق والسنة؛ كل ذلك والله بعدم العناية بالعلم النافع والعمل به، وأما من علم وعمل فإنه في عصمة من الله سبحانه وتعالى عن الفتن، وفي ثباتٍ في دينه، وقد روى الترمذي في جامعه من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: « وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله كأنهما موعظة مودع فأوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبدٌ، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً », ثم دله على وسائل الثبات، فقال: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ », وهذا حديث عظيم، فيه أن من عض على السنة وعلى العلم النافع وتمسك به أنه يثبت إن شاء الله ولا يتزحزح.

وثبت عند الإمام أحمد رضي الله عنه أنموذجٌ عظيم، وهكذا من سيرة الإمام أحمد لما كان ملقباً بإمام السنة، ومعنى ذلك: أنه إمام في العلم والدين، ويأتي إليه ملوك ذلك الزمن يطلبونه ويعذبونه ويضربونه ويسجنونه، ومع هذا كله لا يتزحزح عن قوله: إن القرآن كلام الله، ويناظر قضاة ذلك الزمن وأصحاب الشبهات والشهوات، وقال الإمام الشافعي: خرجت من بغداد ولا أعلم أتقى ولا أعلم ولا أورع ولا أجل من الإمام أحمد؛ وكل ذلك لعمله بالعلم ولثباته على العلم، وروى في مسنده من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: أول من أظهر الإسلام بمكة سبعة، رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأبو بكر الصديق, وعمار بن ياسر وأمه سمية, وصهيب بن سنان, وبلال بن رباح, والمقداد, فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفع الله عنه بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فدفع الله عنه بقومه، وأما الباقون فأخذهم المشركون، فما من أحدٍ منهم إلا وأتاهم على ما أرادوا، أي: أنه أظهر لهم عدم الإسلام، وهو مسلم حقاً، إلا بلال بن رباح، فقد هانت عليه نفسه، وهان على قومه، فأسلموه للصبيان يجرجرونه في شعاب مكة، وهو يقول: أحدٌ أحد، أحدٌ أحد، ولما علم هذا الأمر العظيم، وتيقن من الإسلام أنه حق، صار هذا العلم منقدحاً في نفسه، وثبت عليه بأذن الله عز وجل، ووفقه الله أنه لم يتنازل للمشركين حتى عن الظاهر، وأن يظهر لهم أنه ليس على الإسلام، وهو في وحده، وبين جبابرة المشركين، والكافرين، والمتغطرسين ومع ذلك كله لا يبالي بنفسه، وأولئك رضوان الله عليهم لما ألبسوهم أدرع الحديد، وجعلوهم في الشمس وتضربهم الشمس ومرروهم بين الحر، أظهروا لهم في الظاهر، وأما بلال فأبى، وفي الصحيحين واللفظ لمسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يخرج الدجال فيتوجه قبله رجلٌ من المؤمنين », العلم والإيمان ثباتٌ، ولا شك أن هذا المؤمن عنده علم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبت عليه فنجا: «فيقولون له: إلى أين تريد؟ يقول: أريد إلى هذا الدجال، فيقولون: أو ما تؤمن بربنا؟ فيقول: ما بربنا خفاء، فيأخذونه، فيقال لهم: لم يقل ربكم ألا تقتلوا أحداً دونه، فيأتون به إلى الدجال، فيأمر به فيشبح, -أي: يوضع به على ظهره- ويوسع بطنه وضربه ضرباً-، ثم يقول له: أتؤمن بي؟ فيقول: ما ازدت فيك إلا بصيرة, ثم يأمر به فينشر، حتى يجعل قطعتين، فيمشي بين القطعتين، ثم يأمر به فيقوم، فيقول: أتؤمن بي؟ فيقول: ما ازدت فيك إلا بصيرة؛ إنه الدجال الذي أخبرنا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم », هذا العلم النافع لما ثبت عليه وانتفع به وأخذ بهذا العلم نجا من فتنة الدجال، « فيأخذه الدجال فيلقيه فيما يراه أنه نار وهو جنة »، ولكنها فتنة على أولئك الأناس.

أيها الناس! إن هذا العلم يعتبر برهاناً وحجةًَ ونوراً وهدى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾[يونس:57], فهو هدى، وهو نور يستنير به العبد: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ﴾[الشورى:52].

ومن أسباب الثبات على هذا الدين ملازمة الطائفة المنصورة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة على الحق », وإن لمن يكن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم هو الحق، فما هو الحق؟ ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ﴾[يونس:32]؟ أي: على العلم وعلى الهدى: «لا تزال طائفة على الحق ظاهرين », أي: منصورون: «لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم إلى قيام الساعة », المخذلون موجودون، والمخالفون كثيرون، والأعداء كثيرون، والحساد كثيرون، وكل ذلك لا يضر، لاسيما مادام آخذاً بالعلم، وآخذاً بالحق، وبكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾[الحديد:16], وفي الصحيح عن حذيفة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً، فأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، وأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، حتى تصير القلوب على قلبين: أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مرباداً كالكوز مجخياً لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه », ففرق الرسول صلى الله عليه وسلم بين القلبين بمن ينكر المنكر، ولا يحصل الإنكار ببصيرة للمنكر ومعرفته إلا بالعلم والثبات عليه والدعوة إليه، وإنكار المنكر دعوة إلى علم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فكان هذا من أعظم الثبات على الخير وصفاء القلوب.

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد:

فعلينا وعليكم بالاستقامة على هذا العلم، وعلى هذا الدين، وعلى هذه الثروة العظيمة، وعلى هذا النور والبرهان، ومن كان على ذلك فإن الله يثبته: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾[إبراهيم:27], وفي حديث البراء أن ذلك صاحب العلم يجيب بما أراده الله سبحانه وتعالى وبكل توفيق؛ أن الله ربه وأن محمداً رسوله وأن الإسلام دينه، فيجيب بالحق وبالعلم الصحيح، وأن المقلد والغافل عن العلم، والغافل عن الإيمان وعن الاستقامة يتلعثم، مهما كان علمه في الدنيا لا يوفق، فيقول: هاه هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته, وفي الصحيحين واللفظ لمسلم من حديث من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن أنس بن النضر رضي الله عنه لما تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، قال: تخلفت عن أول قتال قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين لئن أشهدني الله قتالاً آخر للمشركين ليرين الله ما أصنع، فلما حصلت المعركة وفر بعض الصحابة رضوان الله عليهم، قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء, يعني: أصحابه, وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء, يعني: المشركين، ثم تقدم، فاعترضه سعد بن معاذ فقال: أين؟ قال: إليك عني يا سعد، إني لأجد ريح الجنة دون أحد، ثقة بالله وبدين الله الحق، واعتماد على الله سبحانه وإيمان وثقة، ولهذا لما كان بهذه المنزلة جعله يشم ريح الجنة، ويثبت أمام جحافل الكافرين، وهذا يعطيه ضربة، وهذا يعطيه طعنة، وهذا يعطيه رمية بسهم حتى لا يعرف إلا ببنانه، لا تعرفه أخته إلا ببنانه؛ وكل ذلك الثبات الذي آتاه الله سبحانه بما عنده من الإيمان والثقة، وفي صحيح الإمام مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدرٍ قال: «لا يتقدمن أحدٌ حتى أكون أنا دونه, فلما دنا المشركون، قال: قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض، فقال عمير بن الحمام: يا رسول الله عرضها السماوات والأرض؟ قال: نعم، قال: بخٍ بخٍ، قال: ما يحملك على قولك بخٍ بخٍ؟ قال: والله إلا رجاء أن أكون من أهلها, ثم أخذ تمرات من جعبته، وجعل يأكلهن، ثم قال: أنها لحياة طويلة إن أنا أكملت تمراتي هذه، وألقى التمرات وذهب إلى الكافرين، وقاتل حتى قتل »، ثقة بهذا العلم الذي سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثباتاً عليه أمام أعداء الله.

إن هذا العلم من ثبت عليه وفق وهدي إلى صراط مستقيم، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾[الإسراء:9]؛ من الأخلاق والمعاملات والأقوال والأفعال والثبات في الدنيا وفي الأخرى، وقد وعد الله سبحانه وتعالى أن من استقام على هذا العلم النافع أن أولياءه الملائكة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾[فصلت:30-31], ومن كان ولية الملائكة فبإذن الله أنه مثبت، ولهذا أنزلت الملائكة لتثبيت المؤمنين؛ ليثبتوا أهل بدر في ذلك اليوم؛ فأنزل الله سبحانه وتعالى الملائكة يثبتونهم -أي: بالنصرة وبالتأييد.

وعلموا عباد الله! أن من أعظم وسائل الثبات هو نصرة دين الله جملة وتفصيلاً، بالعلم والدعوة والكلمة والظاهر والباطن، وبكل ما كان نصرة لله سبحانه ولدينه، يقول رينا سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ [محمد:7-8].

فجماع هذا كله نصرة دين الله، من علم الله منه أنه ينصر دين الله فسيثبته، ومن علم الله منه أنه يخذل دين الله سواء كان في قولٍ أو فعل أو ظاهرٍ أو باطن فإن الله سيخذله.

والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾[الحجر:9].

والحمد لله رب العالمين.