نسخة الجوال
ترجمة الشيخ
الفتاوى
الصوتيات
المقالات
المكتبة العلمية
الفتاوى الصوتية المفرغة
إرسل سؤلاً
اتصل بنا
الصوتيات -> خطب ومحاضرات متنوعة
عنوان الملف توجيهات الطلاب والعوام إلى فقه آداب الطعام
تاريخ إضافة الملف 12/07/2009
عدد المشاهدات( 5920 ) عدد مرات التنزيل( 1385 )

 

توجيهات الطلاب والعوام إلى فقه آداب الطعام
 
خطبة جمعة:
(2/جمادي الثاني/1427هـ)
(للشيخ المحدث: أبي عبد الرحمن يحيى بن علي الحجوري -حفظه الله تعالى-)
 
 
 

 

==================
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ))[آل عمران:102]، ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا))[النساء:1]،((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا))[الأحزاب:70-71].
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله سلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أيها الناس! يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ((وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ))[النحل:53]، ويقول سبحانه وتعالى آمراً بتذكر نعمة الله: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ))[فاطر:3]، ويقول الله سبحانه وتعالى: ((وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ))[المائدة:20]، لما أخبرهم ودلهم على شكر النعمة: ((يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ))[المائدة:21]، ويقول الله عز وجل في كتابه الكريم مخبراً أن النعمة تدوم بالنعمة وأن النقمة تحل بالنقمة، قال الله عز وجل: ((ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ))[الأنفال:53]، فالنعم لا تزول إلا بزوال النعم، وتدوم بدوام النعم، فإذا دامت نعمة الطاعة، دامت على الإنسان نعمة الدنيا والآخرة، وإذا حلت نقمة المعصية، حلت على الإنسان نقمة الدنيا والآخرة.
وانظروا إلى من قابلوا نعم الله عليهم بالمعاصي كيف سلبت تلك النعم: ((وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ))[النحل:112]، وقال سبحانه: ((لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَي أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ))[سبأ:15-17].
إن نعم الله سبحانه وتعالى بأصنافها وأنواعها تثبت بطاعة الله وتزول بمعصية الله، ومن تلك النعم نعمة المطعم والمشرب والمسكن والملبس، فإن الجوع مؤلم، وقد استعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فقال: {اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع}، وإذا جاع الإنسان قد لا يذوق النوم، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوماً فوجد أبا بكر وعمر وقال: {ما أخرجكما؟ قالا: الجوع، قال: وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما، انطلقا، فانطلوا إلى بيت أبي الهيثم مالك بن التيهان، فوجدوا امرأته فسألوها، فقالت: ذهب يستعذب لنا الماء، فبينما هم كذلك إذ أتى ذلك الأنصاري رضي الله عنه فقال: مرحباً وأهلاً، ما أحد أكرم أضيافاً مني اليوم، ثم أتاهم ببسر وتمر ورطب، وأخذ المدية وذبح لهم، فأكلوا حتى شبعوا، وقدم لهم الماء البارد فشربوا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله لتسألن عن هذا النعيم؛ أخرجكم من بيوتكم الجوع، ولم تنصرفوا حتى أصابكم هذا النعيم؟}.
وشاهدنا من هذا: أن الجوع مؤلم، وأنه يشق على الإنسان الصبر عليه، قال أبو هريرة رضي الله عنه: والله لقد كنت أشد على بطني الحجر من الجوع وأصحاب الصفة رضوان الله عليهم، كان أحدهم يسقط من قامته من الجوع، فيأتي النبي صلى الله عليه وسلم وهم يصلون، فيبشرهم بما أعد الله لهم فيقول: {لو تعلمون ما أعد الله لكم لأحببتم أن تزدادوا فاقة} أي: فقراً وجوعاً؛ لأنه مؤلم وهم صابرون على ذلك.
أيها الناس! إن نعمة المطعم والمشرب نعمة عظيمة، قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ((لِإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ))[قريش:1-4]، امتن الله بها على عباده، فليس لأحد تلك النعمة إلا لله سبحانه وتعالى: ((أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ * أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنْتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ))[الواقعة:63-73]، وبنو إسرائيل يسألون نبيهم أن يدعو الله لهم أن يعطيهم مائدة، لما جاعوا ولم يصبروا على الجوع سبب لهم ذلك التمرد على نبيهم، قالوا: ((هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ))[المائدة:112-113]، فدعا الله عز وجل لهم بتلك الدعوات: ((قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ))[المائدة:115]، النعم إذا قوبلت بالكفران استحقت غضب الله سبحانه وتعالى على ذلك العبد.
ألا وإن من نعم الله سبحانه وتعالى ومن ثبات النعم أن يعرف حكم الله في هذه النعم وفقه تلك النعمة، وكيف يتعامل الإنسان مع النعم تعاملاً شرعياً يرضاه رب العالمين سبحانه وتعالى، ومن ذلك التعامل أن الإنسان يتحرى في هذه النعمة أن تكون من الطعام الحلال والشراب الحلال، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ))[البقرة:172]، وقال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا))[المؤمنون:51]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب.. يا رب! ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له}، ومن حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {يا كعب بن عجرة إنه لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت، النار أولى به}، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لقبيصة: {وما سوى ذلك من المسألة يا قبيصة سحت يأكلها صاحبها سحتاً}، وشاهدنا أنه من الواجب على المسلم إذا أراد أن ينتفع بهذه النعمة في الدنيا والآخرة أن يتحرى فيها الحلال ولا يشوبها بالحرام.
ومن معرفة وفقه هذه النعمة أن تبسط الأنطعة وما يسمى بالسفر تحت الطعام حتى لا يضيع منه شيء، وحتى يتلافى ما تساقط منه كما أرشد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمسح ما تساقط من الطعام وما يستطاع مسحه وأكل ذلك؛ حفاظاً على هذه النعمة وجد النبي صلى الله عليه وسلم تمرة ملقاة في الطريق، فقال: {لولا أني أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها}، إنه خلق عظيم منه وتأديب كريم لأصحابه، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان هو وأصحابه في غزوة تبوك أصابتهم مجاعة، فقالوا: {يا رسول الله! ائذن لنا ننحر بعض نواضحنا فأذن لهم شفقة ورحمة عليهم من شدة الجوع، لو أذنت لنا فنحرنا فأكلنا وادهنا، فأذن لهم، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم عمر وقال: يا رسول الله! لو أذنت لهم قل الظهر، ولكن يا رسول الله ادع الله، أؤمرهم بأن يجمعوا ما عندهم وادع الله على ذلك بالبركة، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم فجمعوا ما عندهم، فكان هذا يأتي بكف شعير، وذاك يأتي بكف تمر، وذاك يأتي بكسرة، حتى اجتمع على النطع -على البساط- شيء فدعا النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك فأكلوا حتى شبعوا، وما بقي إناء في المعسكر إلا ملئوه وفضلت فضلة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بها أحد غير شاك فيها فيحجب عن الجنة}.
شاهدنا من هذا الحديث: الحفاظ على النعمة بوضع البساط بحيث لا تداس بالأقدام، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يهم أن يأكل تلك التمرة الملقاة في الطريق، وأنت تدوس الطعام برجليك! وأنت تتركه يعبث به الأطفال! هذا وليس معناه أنك تقبل كما يفعل بعض الجهلة تقبيل الطعام، فإن هذا من المحدثات، وقد نهينا عن تقبيل الجمادات إلا ما جاء به الدليل كتقبيل الحجر الأسود، وعلى هذا فيعلم من ذلك أن هذه النعمة تحتاج إلى حفاظ، ومن أهم ما يحافظ على تلك النعمة من أحكامها وفقهها التسمية على الطعام، روى الشيخان في صحيحيهما من حديث عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه: {أنه أكل عند النبي صلى الله عليه وسلم وكانت يده تطيش في الصحفة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك}، فوعظه وأدبه على الطعام بهذا الفقه العظيم، قال عمر: فكانت تلك طعمتي، أي: استمر على ذلك إلى أن مات، وأمره بالتسمية والتسمية على الطعام واجبة، والله يقول: ((وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ))[الأنعام:121]، ويقول سبحانه: ((فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ))[الأنعام:118]، فحرام الأكل من شيء لم يسم الله عليه، سواء كانت ذبيحة أو غير ذبيحة، فمن تعمد ذلك -أي: ذبح على غير اسم الله- أثم وحرمت ذبيحته، ومن لم يتعمد ونسي ذلك لم يأثم ويرتفع عنه الإثم لنسيانه: ((رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا))[البقرة:286]، وتحرم تلك الذبيحة لعموم الأدلة في ذلك، هذا هو الصواب في هذه المسألة، وقد زجر النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً أكل عند النبي صلى الله عليه وسلم بشماله، قال: {كل بيمينك، قال: لا أستطيع، قال: لا استطعت، ما منعه إلا الكبر}؛ فيبست يد ذلك الرجل لأنه أكل بشماله، ولأن الأكل بالشمال تشبه بالشيطان، كما روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال النبي صلى الله عليه وسلم: {لا يأكل أحدكم بشماله ولا يشرب بشماله، فإن الشيطان يأكل ويشرب بشماله}، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم من التشبه بالشيطان في الأكل بالشمال، ومن حديث جابر عند الإمام مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إذا دخل أحدكم بيته فقال: باسم الله، قال الشيطان: لا مبيت لكم، وإذا سمى على عشائه، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، فإذا دخل بيته فلم يسم الله، قال الشيطان: أدرتكم المبيت، فإن لم يسم الله على عشائه، قال: أدركتم المبيت والعشاء}، فالشيطان يستحل الطعام الذي لا يذكر اسم الله عليه، كما في حديث حذيفة عند الإمام مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن الشيطان يستحل طعامكم ألا يذكر اسم الله عليه}، الطعام الذي ما يسمى الله عليه يستحله الشيطان ويأكل منه الشيطان، وثبت من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إذا أكل حدكم فليسم الله، فإن نسي فليسم إذا ذكر، فليقل: باسم الله أوله وآخره فإنه يستأنف طعاماً جديداً ويمنع الخبيث} أي: يمنع الشيطان آنذاك، وجاء بنحوه عن عائشة، وهو ضعيف والثابت عن ابن مسعود.
وثبت عن عائشة رضي الله عنها عند أبي يعلى : {أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل معه أناس طعاماً يأكله ستة أشخاص فجاء رجل فأكله بلقمتين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما إنه لو سمى لكفاكم}، ذكر أهل العم أنها لا تكفي التسمية من الواحد عن الجماعة ولو كانوا في حلقة واحدة، وأنه لو كان كافياً لما قال في حديث حذيفة : {إن الشيطان يستحل طعامكم ألا يذكر اسم الله عليه} حين أن سمى النبي صلى الله عليه وسلم ومن حوله، وجاء أعرابي كأنه يدفع يريد أن يأكل معهم فمسكه النبي صلى الله عليه وسلم، فلابد من التسمية من جميع الآكلين، إلا من كان صغيراً فلا بأس أن يسمى عنه، لعموم هذا الدليل، التسمية على الطعام واجبة وهي من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً، {فلما دعا أبو هريرة أولئك أصحاب الصفة حين أتي النبي صلى الله عليه وسلم بلبن وجلسوا وأخذوا مجالسهم، قال: خذ فأعطهم، فأخذ أبو هريرة وجعل يعطيهم، فلما شربوا عن آخرهم قال: اجلس فاشرب، فشرب أبو هريرة، قال: اشرب، فشرب، ثم قال: والله يا رسول الله لا أجد له مسلكاً، ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمى وشرب الفضلة}.
من فقه هذه المسألة هذه النعمة الأكل باليمين لحديث عمر بن أبي سلمة المتقدم، ولحديث سلمة بن الأكوع، والأكل مما يليك وألا تطيش اليد في الصحاف أو في الأطعمة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، وثبت عن عبد الله بن بسر رضي الله عنه: {أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصبح ثم بقي في مكانه يذكر الله حتى طلعت الشمس فأتي بصحفة قد ثرد فيها يحملها أربعة رجال، فجثا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتيه، وجلس الناس، فقال أعرابي: ما هذه الجلسة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما أنا عبد أجلس كما يجلس العبد وآكل كما يأكل العبد، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلوا من جوانبها ودعوا وسطها فإن البركة تنزل}، وثبت ذلك أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنه.
هذا من آداب وفقه هذه النعمة أن يؤكل من جوانب الطعام ومن حافته، ولا يؤكل من وسطه حتى يصلوا إلى وسطه، أكلاً من جوانبه حتى الوصول إلى وسطه، وكل يأخذ من جانبه.
من فقه هذه: تقديم الطعام إلى الضيف، فإن هذا فعله إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ((هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ))[الذاريات:24-27]، هذا أدب عظيم من آداب الطعام؛ تقريبه وتقديمه إلى الضيف، وهكذا العرض على الضيف: ألا تأكل أو قوله: كل، وقد فعل ذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين قدم الطعام إليهم قال: كلوا، وليس في ذلك ما ينكر، بل هذا من السنن، واعلم أن ما يستنكف كثير من الناس من أكل الطعام المتساقط بعد تنظيفه، أن هذا من المنكرات، فإن بعضهم يقول: إذا سقطت بعد إماطة الأذى عنها ربما يرى الناس هذا المسلم فيقولون: هذا ما عنده نظافة، أو هذا دينهم دين ليس لديه مال كثير أو نحو ذلك، مما قد ذكره وسئل عنه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعمد ذلك في أوساط الناس لبين لهم أن هذا سنة.
ومن هذه الأمور وفقه هذه المسألة الاجتماع على الطعام الذي تفشى ضده في هذه الآونة المتأخرة، حتى إنك ترى المتأثرين بالغرب أو المتأثرين بالكافرين الرجل وأهل بيته، هذا يأكل في صحن وذاك يأكل في صحن وذاك.. يجلسون في البيت كل واحد في جانب يأكل، وهذه طريقة مخالفة لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، {ولما شكوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم عدم الشبع، قال: لعلكم تتفرقون؟ قالوا: نعم، قال: اجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه}، وفي الصحيحين عن أبي هريرة : {طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الثلاثة، وطعام الثلاثة يكفي الأربعة}، وفي مسلم عن جابر : {طعام الواحد يكفي الاثنين وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية}، وفيما ذكرنا من حديث أبي سعيد أيضاً الاجتماع على الطعام، وفي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: {أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه رجل مجهود من شدة الجوع، قال: يا رسول الله إني مجهود، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبياته وكل امرأة تقول: والله يا رسول الله ما عندنا إلا ماء، ما عندنا شيء}، لم يجدوا له تمرة واحدة، فلهذا دعا النبي صلى الله عليه وسلم لمن أضافه، قال: {ألا رجل يضيف ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم يرحمه الله}، فيه الدعاء لمن أكرم الضيف، {فأخذه أبو طلحة فانصرف به إلى بيته، وقال لأهله: أطعميه طعام الصبية وعللي الصبية ونوميهم -أي: تحتال عليهم وتنومهم- ثم إذا نضج الطعام أطفئي السراج وأريه أنا نأكل معه، أي: وهم مجتمعون معه، ففعلت ذلك، وجعل الضيف يأكل، فلما أصبح أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: لقد عجب الله من صنيعكما بضيفكما البارحة}، أكرماه وجلسا معه ومع ذلك فإنك ترى الضيف يأنس بالجلوس معه، قدم سلمان على أبي الدرداء وكان أبو الدرداء صائماً، فصنع أبو الدرداء طعاماً لأخيه سلمان، وهو أخوه في الإسلام، ثم قدمه له، قال: لا آكل حتى تأكل اجلس، فجلس معه فأكلا جميعاً، وهكذا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يأمر بذلك: {اجتمعوا على طعامكم يبارك لكم فيه}، ثبت من حديث سمرة بن جندب، قال: {أكلنا من مائدة من صباح إلى عشاء تجلس عشرة وتقوم عشرة، قالوا: فمن أين كانت تمد؟ قال: ومم تعجبون، ما كانت تمد إلا من هاهنا وأشار إلى السماء}، وفي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه: {أخبر أبو طلحة بجوع النبي صلى الله عليه وسلم فبعثت أم سليم إلى النبي صلى الله عليه وسلم بشيء من الخبز ولفته وأتاه أنس به، قال: أمعك طعام؟ قال: نعم، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وانطلقوا وكانوا كثيرين جداً، وكان الطعام قليلاً، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: هل عندك شيء مما يؤدمه؟ فأتت بعقة فآدمت ذلك الخبز، ثم فته النبي صلى الله عليه وسلم وقال: اجلسوا عشرة عشرة، وكانوا يجلسون عشرة عشرة على ذلك الطعام يسمون ويأكلون وينصرفون}.
هذا من أحكام وفقه هذه المسألة مسألة هذه النعمة أنه يجتمع عليها ويخالف المشركون، ويخالف المقلدون للكافرين في التفرق على الطعام، كل واحد مع صحنه بمفرده، هذا غلط مخالفة لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً.
أيها الناس! إنه ينبغي العناية بأحكام دين الله، ولا ينفعك أيها المسلم أن يزجل عليك الناس بالحماس أو بما ينفخك به في سماعك وفي وقتك وأنت جاهل بدينك لا تعرف تأكل كما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تعرف تلبس كما لبس رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تعرف تجلس على الطعام جلسة صحيحة: {كره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأكل متكئاً}، في حديث أبي جحيفة عند الإمام البخاري : {إني لا آكل متكئاً}، وفسر ابن الأثير الاتكاء الميل على أحد الجانبين عند عامة الناس، وممكن أن يفسر الاتكاء أيضاً بأنه التربع، ولكن جلس النبي صلى الله عليه وسلم متربعاً، والمشهور عند الناس أنه الميل؛ وذلك فيه أضرار عند الأكل وعند الشرب ذكر ذلك الأطباء، فيجتنب الأكل والشرب حال الاتكاء، فإن ذلك مضر، ولك أن تأكل من ذلك الطعام بعد تسمية الله سبحانه وتعالى بأدب وإذا فرغت من ذلك لعقت أصابعك، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلعق الأصابع ولعق الصحفة، وقال: {إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة}، ولك أن تغسل، ولك أن تمسح يدك، ثبت عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إذا أكل أحدكم طعاماً فلا يمسح يده حتى يلعقها أو يُلعقها}، دل هذا على جواز المسح وأن اللعق مقدم عليه، ومما يدل على جواز غسل اليدين بعد الطعام، ما ثبت عند البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: {أن النبي صلى الله عليه وسلم دعي لطعام قال: فتبعناه، فلما أكلنا وفرغنا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: الحمد لله الذي يطعم ولا يطعم، الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وهدانا وكفانا وآوانا ومن كل بلاء حسن أبلانا، الحمد لله غير مكفي ولا مودع ولا مستغن عنه ربنا، الحمد لله الذي يطعم من الطعام ويسقي من الشراب ويكسي من العري ويهدي من الضلالة، الحمد لله رب العالمين}.. الحديث، شاهدنا بعد أن فرغ من الطعام وغسل النبي صلى الله عليه وسلم يده أو يديه هكذا في الرواية في الصحيح، أما الغسل قبل الطعام فقد جاءت فيه أحاديث ذكرها البيهقي في سننه، وكل طريق من تلك الطرق فيها متروك، ولكن لا بأس بذلك تنظفاً، وليس معناه أنه سنة من السنن كما هو سنة في آخر الطعام.
هذا ويكره النفخ في الطعام والنفخ في الشراب، فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتنفس أثناء الشرب ثلاثاً خارج الإناء، وذلك أطيب وأنفس للصحة وأقوى للصحة.
ونهى رسول صلى الله عليه وسلم عن ذم الطعام قال أبو هريرة رضي الله عنه: {ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاماً قط إن اشتهاه أكله وإن لم يشته تركه}، وهذا يدل أن الإنسان لا يأكل طعاماً لا يشتهيه، وأنه إن أكل طعاماً لا يشتهيه يضر به، كما ذكر الأطباء في ذلك كابن القيم وغيره، وليس من ذم الطعام أن يقول الإنسان: أجد نفسي تعافه، فقد ثبت عن ميمونة وعن ابن عباس : {أن أم حفيد قدمت للنبي صلى الله عليه وسلم طعاماً فيه سمن وأضب -الضب معروف-، فالنبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر أنه لحم ضب وقف عن أكله وقال: أجد نفسي تعافه}، ليس هذا من ذم الطعام، {قال خالد بن الوليد: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: لا، قال: فاجتررته وأكلته، والنبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى ذلك الطعام لم ينكر عليه، قال ابن عباس: لو كان حراماً لنهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم}.
بل ينبغي كما ذكر النووي رحمه الله في كتاب الأذكار وابن القيم في الزاد مدح الطعام وليس على الإطلاق في بعض الحالات، لما روى مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم {سأل الطعام، فقدموا له خلاً، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يأكل من ذلك الخل، ويقول: نعم الإدام الخل، نعم الإدام الخل}، قال ابن القيم رحمه الله: أي: في ذلك الحال وفي ذلك الحين، وليس هذا مدحاً للخل على غيره من الأطعمة التي هي أفضل منه، ولو قدم إليه لحم أو عسل لكان أولى بالمدح، ولكن تواضعاً وتطييباً لخاطر من قدم ذلك الطعام.
هذا ونسأل الله التوفيق لما يحبه ويرضاه.
والحمد لله.